والضمير في قوله: فِيهِنَّ للأشهر، لأنه جمع لغير العاقل فيجري على التأنيث.
وجملة فَلا رَفَثَ .. إلخ في محل جزم جواب من الشرطية والرابط بين جملة الشرط والجواب ما في معنى فَلا رَفَثَ من ضمير يعود على «من» ، لأن التقدير فلا يرفث.
ويجوز أن تكون جملة فَلا رَفَثَ .. وما عطف عليها في محل رفع خبر لمن على أنها موصولة.
وقد أخذ الشافعية من هذه الآية أنه لا يجوز الإحرام بالحج في غير أشهر الحج لأن الإحرام به في غير أشهره يكون شروعا في العبادة في غير وقتها فلا تصح ويرى الأحناف والحنابلة، أنه يجوز الإحرام بالحج قبل أشهره ولكنه مع الكراهة: والإمام مالك لا يرى كراهة في ذلك.
ويبدو أن رأى الشافعية هنا أرجح، لأن قوله - تعالى -: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ..
يشهد لهم، فقد جعل - سبحانه - هذه الأشهر وعاء لهذه الفريضة وظرفا لها.
وقوله: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ حض على فعل الخير عقيب النهي عن فعل الشر.
أي: اتركوا الأقوال والأفعال القبيحة، وسارعوا إلى الأعمال الصالحة خصوصا في تلك
الأزمنة والأمكنة المفضلة، والله - تعالى - لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وهو - سبحانه - سيجازيكم على فعل الخير بما تستحقون من جزاء.
ثم قال - تعالى -: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى.
قال الإمام الرازي: في هذه الجملة الكريمة قولان:
أحدهما: أن المراد وتزودوا من التقوى - أي الأعمال الصالحة - والدليل عليه قوله بعد ذلك فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وتحقيق الكلام فيه أن الإنسان له سفران: سفر في الدنيا وسفر من الدنيا، فالسفر في الدنيا لا بد له من زاد وهو الطعام والشراب والمال .. إلخ. والسفر من الدنيا لا بد له أيضا من زاد وهو معرفة الله ومحبته والإعراض عما سواه، وهذا الزاد خير من الزاد الأول لأن زاد الدنيا يخلصك من عذاب منقطع وزاد الآخرة يخلصك من عذاب دائم .. قال الأعشى مقررا هذا المعنى:
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثله ... وأنك لم ترصد بما كان أرصدا