قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) مُتَّصِلٌ بِمَا قَبْلَهُ وَاقِعٌ مَوْقِعَ الِاسْتِدْرَاكِ وَالِاحْتِرَاسِ مِمَّا عَسَاهُ يَسْبِقُ إِلَى الْفَهْمِ مِنَ الْأَمْرِ بِالتَّزَوُّدِ مِنَ التَّقْوَى وَعَمَلِ الْبِرِّ وَالْخَيْرِ وَهُوَ خَيْرُ الزَّادِ ، ثُمَّ مِنْ مُخَاطَبَةِ أُولِي الْأَلْبَابِ بِالْأَمْرِ بِالتَّقْوَى تَعْرِيضًا بِأَنَّ غَيْرَ الْمُتَّقِي لَا لُبَّ لَهُ وَلَا عَقْلَ ، وَهُوَ أَنَّ أَيَّامَ الْحَجِّ لَا يُبَاحُ فِيهَا غَيْرُ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَالْخَيْرِ ، فَيَحْرُمُ فِيهَا مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ التِّجَارَةِ وَالْكَسْبِ فِي الْمَوْسِمِ ، كَمَا يَحْرُمُ الرَّفَثُ وَالْفُسُوقُ وَالْجِدَالُ الَّذِي هُوَ مِنْ لَوَازِمِ التِّجَارَةِ غَالِبًا ، وَالتَّرَفُّهُ بِزِينَةِ اللِّبَاسِ الْمَخِيطِ وَالْحَلْقِ ، وَالْإِفْضَاءُ إِلَى النِّسَاءِ ، فَأَزَالَ هَذَا الْوَهْمَ مِنَ الْفَهْمِ وَعَلَّمَنَا أَنَّ الْكَسْبَ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ مَعَ مُلَاحَظَةِ أَنَّهُ فَضْلٌ مِنَ اللهِ غَيْرُ مَحْظُورٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي الْإِخْلَاصَ لَهُ فِي الْعِبَادَةِ ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُنَافِي الْإِخْلَاصَ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ إِلَى التِّجَارَةِ ، بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَرُجِ الْكَسْبُ لَمْ يُسَافِرْ لِأَجْلِ الْحَجِّ ، هَذَا مَا عَلَيْهِ الْجَمَاهِيرُ . وَحَمَلَ أَبُو مُسْلِمٍ ذَلِكَ عَلَى مَا بَعْدَ الْحَجِّ وَمَنَعَ الْكَسْبَ فِي أَيَّامِهِ ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ نُزُولُ الْآيَةِ فِي سِيَاقِ أَحْكَامِ الْحَجِّ ، وَنَفْيُ الْجُنَاحِ الَّذِي لَا مَعْنَى لَهُ فِي غَيْرِ الْحَجِّ وَمَا وَرَدَ فِي أَسْبَابِ نُزُولِهَا ، أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ عُكَاظُ