أراد الحق سبحانه وتعالى أن يردهم فِي كل شيء إلى ذاته ، فقال لهم: أنتم تذكرون آباءكم ؛ لأنهم كانوا يفعلون كذا وكذا ، وآباؤكم يفتخرون بآبائهم ، انقلوها وسلسلوها إلى خالق كل الآباء وكل البشر ، فكل ما يجري من خير على يد الآباء مرده إلى الله ، فإن ذكرتم آباءكم لما قدموه من خير ، فاذكروا من أمدهم بذلك الخير. وهو يريد منهم أن يذكروا الله كذكرهم آباءهم ؛ أو أشد ذكرا ؛ لأن كل كائن إنما يستحق من الذكر على مقدار ما قدم من الخير ، ولن تجد كل الخير إلا لله ، إذن لابد أن نذكر الله.
وأيضاً فإن الإسلام أراد أن ينهي التفاخر بالآباء ليجعل الفخر ذاتيا فِي نفس المؤمن ، أي فخرا من عمل جليل نابع وحاصل من الشخص نفسه ؛ ولذلك يقولون فِي أمثال هؤلاء الذين يفخرون بأسلافهم إنهم:"عظاميون"أي منسوبون إلى مجد صنعه من صاروا عظاما تضمها القبور ، والله يريدنا أن نكون ذاتيين فِي مفاخرنا ، أي أن نفخر بما نفعل نحن ، لا بما فعل آباؤنا ، فالآباء أفضوا إلى ما قدموا ، ويريد الله أن يأخذ الإنسان ذاتية إيمانية تكليفية. ومن يريد أن يفتخر فليفتخر بنفسه ولذلك يقول الشاعر:
ولا تكونوا عظاميين مفخرة
ماضيهم عامر فِي حاضر خرب
لا ينفع الحسب الموروث من قدم
إلا ذوي همة غاروا على الحسب
والعود من مثمر إن لم يلد ثمراً
عدوه مهما سما أصلاً من الحطب
فالنبات الذي ليس له ثمرة ، يعتبره الناس مجرد حطب ، ويريد الحق أن ينبه فِي المؤمن ذاتية تفعل ، وليس ذاتية تفتخر بأنه كان وكان ، بل على كل إنسان أن يقدم ما يفتخر به:
ليس الفتى من يقول كان أبي
إن الفتى من يقول هأنذا
وعندما كان العرب يتفاخر بعضهم على بعض يقول أحدهم للآخر: يا أخي أنت تفتخر علي بماذا ؟
فيرد عليه الثاني: أفتخر عليك بآبائي وأجدادي.
فيرد الأول: اذكر جيدا أن مجد آبائك انتهى بك ، ومجد آبائي بدأ بي ، ولماذا لا اجعل لآبائي الفخر بأنهم أنجبوني ؟
وفي ذلك يقول أحدهم: