فالوصية واجبة لهؤلاء وأمثالهم عند بعض من قال بالنسخ. وممن قال بذلك: ابن عباس وعلى - رضي الله عنهما - روى عن على أنه قال: من لم يوص عند موته لذوي قرابته ممن لا يرث، فقد ختم عمله بمعصية.
ومنهم من قال: إن الوجوب نسخ في حق الجميع، ولكنها مستحبة في حق الذين لا يرثون، وإلى هذا الرأي ذهب الأكثرون.
وقيل إن هذه الآية لم تُنسخ بآيات المواريث، بل حدد بها ما كان الموصى حرًا في تحديده بمقتضى هذه الآية. فقد رأى الحكيم - سبحانه - أنه قد لا يحسن التدبير في مقدار ما يوصي به لكل واحد من أقاربه، ولا يعرف من هو أولى بالوصية من سواه، وقد يقصد المضارة. فتولت حكمته تعالى بيان ذلك الحق، بما أنزله من آيات المواريث متفقًا مع الحكمة والمصلحة، حيث حصر الأنصباء في النصف والربع والثمن، والثلثين والثلث والسدس وعين أصحابها، وما فضل - بعد أصحاب الفروض - أعطاه لأولي الذكور العصبات، وَبَيَّنَ دَرجاتهِم، فتحول التقسيم بآيات المواريث من الموصي - كما كان شائعًا - إلى المولى سبحانه وتعالى، فقال في سورة النساء: {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ... } الخ أي يوصيكم في ورثتكم -
وقد عجزتم عن تحقيق المصلحة بينهم بأنفسكم - بأن يكون تقسيم أموالكم بينهم على النحو المبين في الآية، وذلك كمن أمر غيره بإعتاق عبده، ثم أعتقه هو بنفسه.
ومن أراد المزيد من تحقيق الموضوع، فليرجع إلى الموسوعات في تفسير تلك الآية الكريمة: {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} أي هذه الوصية: جعلها الله حقًا، يلتزم به من اتقى الله وراعاه.
{فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) }
المفردات:
{إِثْمُهُ} : الإثم: ارتكاب ذنب.
{خَافَ} : الخوف هنا بمعنى العلم.
{جَنَفًا} : الْجَنفَ: الجور والميل عن الحق.
التفسير
181 - {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ... } الآية.