مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ، قَالُوا: لَا ، نَحْنُ لَا نَعْرِفُ مَا أَنْزَلَ اللهُ ، بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا ; أَيْ: وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ، وَهُوَ مَا تَقَلَّدْنَاهُ مِنْ سَادَتِنَا وَكُبَرَائِنَا ، وَشُيُوخِ عُلَمَائِنَا . لَمْ يُخَاطِبْ هَؤُلَاءِ بِبُطْلَانِ مَا هُمْ عَلَيْهِ وَتَشْنِيعِهِ خِطَابًا لَهُمْ بَلْ حَكَى عَنْهُمْ حِكَايَةً بَيَّنَ فَسَادَ مَذْهَبِهِمْ فِيهَا ، كَأَنَّهُ أَنْزَلَهُمْ مَنْزِلَةَ مَنْ لَا يَفْهَمُ الْخِطَابَ وَلَا يَعْقِلُ الْحُجَجَ وَالدَّلَائِلَ ، كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ بِالتَّمْثِيلِ الْآتِي . وَلَوْ كَانَ لِلْمُقَلِّدِينَ قُلُوبٌ يَفْقَهُونَ بِهَا لَكَانَتْ هَذِهِ الْحِكَايَةُ كَافِيَةً بِأُسْلُوبِهَا لِتَنْفِيرِهِمْ مِنَ التَّقْلِيدِ ، فَإِنَّهُمْ فِي كُلِّ مِلَّةٍ وَجِيلٍ يَرْغَبُونَ عَنِ اتِّبَاعِ مَا أَنْزَلَ اللهُ اسْتِئْنَاسًا بِمَا أَلِفُوهُ مِمَّا أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ عَلَيْهِ ، وَحَسْبُكَ بِهَذَا شَنَاعَةً ; إِذِ الْعَاقِلُ لَا يُؤْثِرُ عَلَى مَا أَنْزَلُ اللهُ تَقْلِيدَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ وَإِنْ كَبُرَ عَقْلُهُ وَحَسُنَ سَيْرُهُ ; إِذْ مَا مِنْ عَاقِلٍ إِلَّا وَهُوَ عُرْضَةٌ لِلْخَطَأِ فِي فِكْرِهِ ، وَمَا مِنْ مُهْتَدٍ إِلَّا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَضِلَّ فِي بَعْضِ سَيْرِهِ ، فَلَا ثِقَةَ فِي الدِّينِ إِلَّا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ ، وَلَا مَعْصُومَ إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللهُ ، فَكَيْفَ يَرْغَبُ الْعَاقِلُ عَمَّا أَنْزَلَ اللهُ إِلَى اتِّبَاعِ الْآبَاءِ مَعَ دَعْوَاهُ الْإِيمَانَ بِالتَّنْزِيلِ ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا بِالْوَحْيِ لَوَجَبَ أَنْ يُنَفِّرَهُ عَنِ التَّقْلِيدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) ؟ ! فَإِنَّ هَذَا حُجَّةٌ عَقْلِيَّةٌ لَا