وقوله تعالى: (كَحُبِّ اللَّهِ) قد يكون معناه أنهم يسوونهم بالله تعالى في العبودية، والطاعة والرضا بما يعتبرونه مرضيا لهم مع أنهم يرون أنهم لَا ينفعون ولا يضرون، وإذا أنزلت بهم شديدة لَا يلجأون إلا لله، ولا يطلبون كشف الضر إلا منه كما تلونا من كتاب الله تعالى ما يحكيه عنهم، فهم يفرقون بين معبوداتهم، وبين الله في شدائدهم، ولا يفرقون في رخائهم، وقد علمت أن وثنيي العرب ما كانوا ينكرون وجود الله وأنه المنشئ المكون للوجود، (وَلَئِن سَآلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقولُنَّ اللَّهُ. . .) ، ويقولون في أوثانهم ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله.
وهذا التخريج هو الأقرب إلى الخاطر، وهناك تخريج آخر، يقول إن معنى قوله تعالى (كحُبِّ اللَّهِ) أنهم يحبونهم كحب المؤمنين لله تعالى، فهم ينزلون أندادهم منزلة الله تعالى عند أهل الإيمان فيفردونها بالعبادة كما يفرد المؤمنون الله تعالى بالعبادة وحده.
والتخريج الأول أظهر وأقرب إلى الخاطر، وهو المتبادر، ولقد قال بعد ذلك: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ) ، أي أن المؤمنين لوصفهم بالإيمان ولإذعانهم بالحق ولأنهم يعبدون من يملك النفع والضر، وأنه خالق الكون؛ ولأن حبهم مقصور على الذات العلية، فإنهم بذلك أشد حبا لله، ومظهر حب الله تعالى الإخلاص له، وتسليم الوجه والطاعة له، والخضوع له، ولما يأتي من عنده، فحب الله طاعته، وأن تمتلئ النفس بذكره، وأن يكون حبه كله لله تعالى لَا يحب شيئًا في الوجود إلا لله، كما قال تعالى: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ... ) ولقد قال - صلى الله عليه وسلم:"لا يؤمن أحدكم حتى يحب الشيء لَا يحبه إلا لله"فالله في قلبه وفي عمله، وقوله واختلاطه بالناس، وهو معه دائما.