بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ كَذَا أَوْ جَرَتْ سُنَّةُ نَبِيِّهِ عَلَى كَذَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْمَسْئُولِ فِيهِ هَدْيٌ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ ذَكَرَ مَا جَرَى عَلَيْهِ الصَّالِحُونَ وَمَا يَرَاهُ أَشْبَهَ بِمَا جَاءَ فِي هَذَا الْهَدْيِ أَوْ أَحَالَ عَلَى غَيْرِهِ .
وَلَمَّا تَصَدَّى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ لِاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ وَاسْتِخْرَاجِ الْفُرُوعِ مِنْ أُصُولِهَا - وَمِنْهُمُ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ - كَانُوا يَذْكُرُونَ الْحُكْمَ بِدَلِيلِهِ عَلَى هَذَا النَّمَطِ ، فَهُمْ مُتَّفِقُونَ مَعَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ - عَلَيْهِمُ الرِّضْوَانُ - عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِ أَحَدٍ فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَعْرِفْ دَلِيلَهُ وَيَقْتَنِعْ بِهِ . ثُمَّ جَاءَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُقَلِّدِينَ فِي الْقُرُونِ الْوُسْطَى مَنْ جَعَلَ قَوْلَ الْمُفْتِي لِلْعَامِّيِّ بِمَنْزِلَةِ الدَّلِيلِ مَعَ قَوْلِهِمْ بِأَنَّهُ لَوْ بَلَغَهُ الْحَدِيثُ فَعَمِلَ بِهِ كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى . ثُمَّ خَلَفَ خَلْفٌ أَعْرَقُ مِنْهُمْ فِي التَّقْلِيدِ فَمَنَعُوا كُلَّ النَّاسِ أَخْذَ أَيِّ حُكْمٍ مِنَ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ ، وَعَدُّوا مَنْ يُحَاوِلُ فَهْمَهُمَا وَالْعَمَلَ بِهِمَا زَائِغًا . وَهَذَا غَايَةُ الْخِذْلَانِ وَعَدَاوَةِ الدِّينِ ، وَقَدْ تَبِعَهُمُ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَكَانُوا لَهُمْ أَنْدَادًا مِنْ دُونِ اللهِ ، وَسَيَتَبَرَّأُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا أَخْبَرَ اللهُ .