ظَهَرَ التَّصَوُّفُ فِي الْقُرُونِ الْأُولَى لِلْإِسْلَامِ فَكَانَ لَهُ شَأْنٌ كَبِيرٌ وَكَانَ الْغَرَضُ مِنْهُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ تَهْذِيبَ الْأَخْلَاقِ وَتَرْوِيضَ النَّفْسِ بِأَعْمَالِ الدِّينِ ، وَجَذْبَهَا إِلَيْهِ وَجَعْلَهُ وِجْدَانًا لَهَا ، وَتَعْرِيفَهَا بِأَسْرَارِهِ وَحِكَمِهِ بِالتَّدْرِيجِ . ابْتُلِيَ الصُّوفِيَّةُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِمْ بِالْفُقَهَاءِ الَّذِينَ جَمَدُوا عَلَى ظَوَاهِرِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْجَوَارِحِ وَالتَّعَامُلِ ، فَكَانَ هَؤُلَاءِ يُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَةَ أَسْرَارِ الدِّينِ وَيَرْمُونَهُمْ بِالْكُفْرِ ، وَكَانَتِ الدَّوْلَةُ وَالسُّلْطَةُ لِلْفُقَهَاءِ لِحَاجَةِ الْأُمَرَاءِ وَالسَّلَاطِينِ إِلَيْهِمْ ، فَاضْطَرَّ الصُّوفِيَّةُ إِلَى إِخْفَاءِ أَمْرِهِمْ ، وَوَضْعِ الرُّمُوزِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ الْخَاصَّةِ بِهِمْ ، وَعَدَمِ قَبُولِ أَحَدٍ مَعَهُمْ إِلَّا بِشُرُوطٍ وَاخْتِبَارٍ طَوِيلٍ ، فَقَالُوا: لَا بُدَّ فِيمَنْ يَكُونُ مِنَّا أَنْ يَكُونَ أَوَّلًا طَالِبًا فَمُرِيدًا فَسَالِكًا