هَذِهِ الْآيَاتُ مُبَيِّنَةٌ لِحَالِ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ تِلْكَ الْآيَاتِ الَّتِي أَقَامَتْهَا الْآيَةُ السَّابِقَةُ عَلَى تَوْحِيدِ اللهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ ; وَلِذَلِكَ جَعَلُوا بِهِ أَنْدَادًا يَلْتَمِسُونَ مِنْهُمُ الْخَيْرَ وَالرَّحْمَةَ ، وَيَدْفَعُونَ بِبَرَكَتِهِمُ الْبَلَاءَ وَالنِّقْمَةَ ، وَيَأْخُذُونَ عَنْهُمُ الدِّينَ وَالشِّرْعَةَ . قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّ النِّدَّ هُوَ الْمُمَاثِلُ ، وَزَادَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ فِيهِ قَيْدًا فَقَالَ: إِنَّهُ الْمُمَاثِلُ الَّذِي يُعَارِضُ مِثْلَهُ وَيُقَاوِمُهُ ، وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ مُتَّخِذِي الْأَنْدَادِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُمَاثِلُونَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي قُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَسُلْطَانِهِ يُعَارِضُونَهُ فِي الْخَلْقِ وَيُقَاوِمُونَهُ فِي التَّدْبِيرِ ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ الْقُرْآنَ قَصَّ عَلَيْنَا خَبَرَ مُتَّخِذِي الْأَنْدَادِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ صَرِيحَةٍ فِي أَنَّهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ شَيْئًا مِنْ هَذَا الَّذِي يُفْهَمُ أَوْ يُتَوَهَّمُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُفَسِّرِينَ ; بَلْ يَعْتَقِدُونَ - غَالِبًا - أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ ، وَأَنَّ الْأَنْدَادَ وُسَطَاءُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِهِ يُقَرِّبُونَهُمْ إِلَيْهِ ، وَيَشْفَعُونَ لَهُمْ عِنْدَهُ ، وَيَقْضُونَ حَاجَاتِهِمْ بِخَوَارِقِ الْعَادَاتِ أَوْ يَقْضِيهَا هُوَ لِأَجْلِهِمْ . وَيَحْتَجُّونَ لِهَذِهِ الْعَقِيدَةِ بِأَنَّ الْمُذْنِبِينَ الْمُقَصِّرِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْوُصُولَ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِأَنْفُسِهِمْ ، فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ وَاسِطَةٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ تَعَالَى كَمَا هُوَ الْمَعْهُودُ مِنَ الرَّعَايَا الضُّعَفَاءِ مَعَ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ ،