فردّ الله عليهم جميعا بأنّ الجهات كلها لله، ولا مزية لجهة على أخرى، وليست صخرة بيت المقدس أو الكعبة ذات نفع خاص لا يوجد في غيرهما، وإنما الأمر كله لله، يختار ما يشاء، وأينما تولوا فثّم وجه الله، ومن مراده المطلق أنه يجعل للناس قبلة واحدة تجمعهم في عبادتهم، وقد أمر الله المؤمنين في بداية الأمر بالتوجه إلى بيت المقدس، إعلاما بأن دين الله واحد، ووجهة جميع الأنبياء واحدة، وقصدهم الحقيقي هو الاتجاه إلى الله، ثم أمرهم بالاتّجاه إلى الكعبة، فامتثلوا الأمر في الحالين، لأن المصلحة فيما أمر الله، والخير فيما وجّه، والله يرشد من يشاء إلى الطريق الأقوم المؤدي لسعادة الدنيا والآخرة، سواء بالتوجه إلى بيت المقدس أو بالاتجاه إلى الكعبة.
ثم خاطب الله المؤمنين ممتنّا ومتفضلا عليهم قائلا لهم: وَكَذلِكَ ..
أي كما هديناكم إلى الصراط المستقيم وهو دين الإسلام، وحولناكم إلى قبلة إبراهيم عليه السّلام واخترناها لكم، جعلنا المسلمين خيارا عدولا، فهم خيار الأمم والوسط في الأمور كلها بلا إفراط، ولا تفريط، في شأن الدين والدنيا، وبلا غلو
لديهم في دينهم، ولا تقصير منهم في واجباتهم، فهم ليسوا بالماديين كاليهود والمشركين، ولا بالروحانيين كالنصارى، وإنما جمعوا بين الحقّين: حقّ الجسد وحقّ الروح، ولم يهملوا أي جانب منهما، تمشيا مع الفطرة الإنسانية القائمة على أن الإنسان جسد وروح.
ومن غايات هذه الوسطية وثمرتها: أن يكون المسلمون شهداء على الأمم السابقة يوم القيامة، فهم يشهدون أن رسلهم بلغتهم دعوة الله، ففرط الماديون في جنب الله وأخلدوا إلى اللذات، وحرم الروحانيون أنفسهم من التمتع بحلال الطيبات، فوقعوا في الحرام، وخرجوا عن جادة الاعتدال، فجنوا على متطلبات الجسد.