وَلَا تَغْلُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَمْرِ وَاقْتَصِدْ ... كِلَا طَرَفَيْ قَصْدِ الْأُمُورِ ذَمِيمُ
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَالطَّرِيقَةُ الْمُثْلَى فِي هَذَا الْبَابِ أَنْ لَا تَمْتَنِعَ مِنْ حَقٍّ يَلْزَمُكَ لِلنَّاسِ وَإِنْ لَمْ يُطَالِبُوكَ بِهِ وَأَنْ لَا تَنْهَمِكَ لَهُمْ فِي بَاطِلٍ لَا يَجِبُ عَلَيْكَ وَإِنْ دَعَوْكَ إِلَيْهِ فَإِنَّ مَنِ اشْتَغَلَ بِمَا لَا يَعْنِيهِ فَاتَهُ مَا يَعْنِيهِ وَمَنِ انْحَلَّ فِي الْبَاطِلِ جَمُدَ عَنِ الْحَقِّ، فَكُنْ مَعَ النَّاسِ فِي الْخَيْرِ وَكُنْ بِمَعْزِلٍ عَنْهُمْ فِي الشَّرِّ وَتَوَخَّ أَنْ تَكُونَ فِيهِمْ شَاهِدًا كَغَائِبٍ وَعَالِمًا كَجَاهِلٍ
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَنْبَرِيُّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي قَمَّاشٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَائِشَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ وُهَيْبِ بْنِ الْوَرْدِ قَالَ:"قُلْتُ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْتَزِلَ النَّاسَ، فَقَالَ لِي: لَا بُدَّ لَكَ مِنَ النَّاسِ وَلِلنَّاسِ مِنْكَ؛ لَكَ إِلَيْهِمْ حَوَائِجُ، وَلَهُمْ إِلَيْكَ حَوَائِجُ، وَلَكِنْ كُنْ فِيهِمْ أَصَمَّ سَمِيعًا أَعْمَى بَصِيرًا سَكُوتًا نَطُوقًا"
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْتِبُ قَالَ: حَدَّثَنَا شَاكِرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُنَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيٍّ:"الِانْقِبَاضُ عَنِ النَّاسِ مَكْسَبَةٌ لِلْعَدَاوَةِ وَمَعْرِفَتُهُمْ مَكْسَبَةٌ لِقَرِينِ السُّوءِ: فَكُنْ لِلنَّاسِ بَيْنَ الْمُنْقَبِضِ وَالْمُقَارِبِ، فَإِنَّ خَيْرَ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا. وَأَنْشَدَ أَبُو زَيْدٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى:"
[البحر الطويل]
إِذَا مَا عَمَمْتَ النَّاسَ بِالْأُنْسِ لَمْ تَزَلْ ... لِصَاحِبِ سُوءٍ مُسْتَفِيدًا وَكَاسِبَا
وَإِنْ تُقْصِهِمْ يَرْمُوكَ عَنْ سَهْمِ بُغْضَةٍ ... فَكُنْ خَلِطًا إِنْ شِئْتَ أَوْ كُنْ مُجَانِبَا
فَلَا تَدْنُوَنَّ مِنْهُمْ وَلَا تُقْصِيَنَّهُمْ ... وَلَكِنْ أَمْرًا بَيْنَ ذَاكَ مُقَارِبَا""