به علمنا موجودًا فليس بشيء لأن علمه تَعَالَى به موجودًا في وقت وجوده لم ينزل أَيْضًا فقد
سهى سهوا فاحشًا ومبناه عدم التفرفة بين تعلق العلم بأنه سيقع وبين تعلقه بأنه وقع الآن، والتعلق
بأنه وقع الآن لم يوجد قبل وجوده وإلا لزم المحذور العظيم. قوله فإنه تَعَالَى عالمًا في الأزل
بهم إن أراد به أنه تَعَالَى عالم بهم في الأزل باعْتبَار أنه سيوجد في وقت كذا بأوصاف كذا
فصواب لكن الْكَلَام ليس فيه، وإن أراد أنه عالم في الأزل باعْتبَار أنه وقع الآن فهو خطأ عظيم
يخشى عليه أمر جسيم ولا رسالة مستقلة في تحقيق علمه تَعَالَى لا يستغني الطالب للحق عنها.
قوله: (وقيل ليعلم رسوله والْمُؤْمنُونَ، لكنه أسند إلَى نفسه لأنهم خواصه) وأجاب ثانيًا
بانا لا نسلم عدم التقدير وما يكون غاية للجعل علم الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ والْمُؤْمنينَ ولا
يشترط أن تكون الغاية فعلًا لفاعل الْفعْل المعلل حين كون اللام مذكورًا لكنه أسند إلَى ذاته
تفخيمًا لشأنهم؛ لأنهم خواص عباده، فالإسناد مجاز عقلي للملابسة الْمَذْكُورة، وإنَّمَا مرضه لأن
الإسناد الحقيقي ممكن كما مَرَّ، فلا وجه للركون إلَى الْمَجَاز في الإسناد قوله إلَى نفسه الأولى
إلى ذاته لأن إطلاق النفس عليه تَعَالَى بطَريق المشاكلة، كَمَا صَرَّحَ به في أواخر سورة المائدة.
قوله: (أو [لتميز] الثابت من المتزلزل كقوله تعالى: ليَميزَ اللَّهُ الْخَبيثَ منَ الطَّيّب)
فوضع العلم مَوْضع التمييز المسيب عنه) وأجاب ثالثًا بأن العلم مجاز عن التمييز بطَريق
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: لكنه أيشد إلَى نفسه لأنهم خواصه، فهو من باب التَّجَوُّز بالملابسة كما يكون بين
الملك وخواصه أسند فعل خواصه إلَى نفسه تجوزًا تنبيهًا عَلَى كرامة القرب والاخْتصَاص.
قوله: أو ليميز الثابت عن المتزلزل. فهو مجاز من باب إطلاق السبب عَلَى المسبب فإن العلم
يوجب التمييز لا محالة، وهذا موافق لقول من قال العلم صفة توجب تمييزًا لا يحتمل النقيض. هذا
والْمُرَاد بالتمييز التفريق وجعله ممتازًا بين الخلائق فاندفع به ما يقال إن أريد التمييز في [الْوُجُود]
العيني فهو حاصل قبل التحويل أو في الوجود العقلي فهو حاصل في علم الله تَعَالَى بل عينه. قوله:
(ويشهد) له قراءة [ليُعلم] عَلَى البناء للمَفْعُول. وجه التأييد ما ذكرنا من أن معنى
التمييز هنا جعله ممتازا بين النَّاس، فإن الْمَعْنَى حِينَئِذٍ ليعلم عند النَّاس من يتبع الرَّسُول ممَّنْ يَنْقَلبُ
على عقبيه. وأقول يمكن أن يكون اسْتعْمَال العلم هنا من باب التَّضْمين لا من قبيل الْمَجَاز يدل
عليه تعلق كلمة مَن به في قوله: (ممَّنْ يَنْقَلبُ) كما في قَوْله تَعَالَى(ليَميزَ اللَّهُ
الْخَبيثَ منَ الطَّيّب)وكذا يرشدك إليه تفسيره بقوله أي لنعلم من يتبع الرَّسُول
مميزًا ممَّنْ يَنْقَلبُ، أو معلق لما في مَن من معنى الاسْتفْهَام ونفاه أبو البقاء لاستلزامه أن يبقى ممَّنْ
يَنْقَلبُ بلا متعلق؛ لأن ما بعد كلمة الاسْتفْهَام لا يتعلق بما قبلها، وأجاب عنه بعض الفضلاء بجعله
حالًا من ضمير يتبع عَلَى معنى لنعلم أي فريق يتبع الرَّسُول مميزًا من المنقلين، ورَدَّ هذا الْجَوَاب
بعضهم بأن إضمار شيء خاص يعني مميزًا بدون قرينة خاصة لا يجوز بأن الحال مقيدة ولا معنى
للتَقْييد هنا، ثم قال: الأشبه أن يضمن العلم معنى التمييز. أي لنعلم أي فريق يتبع مميزين إياهم من