إطلاق اسم السبب عَلَى المسبب فيكون مَجَازًا لغويا، وإنَّمَا أخَّره عن الثاني لأن الْمَجَاز العقلي
أبلغ من الْمَجَاز الْمُرْسَل وقد يقال في الْمَجَاز في الظَّرْف إنه مجاز عن الامتحان كما أشار إليه
بقوله إلا لنمتحن النَّاس فتصير الأجوبة في مثل هذا التركيب أربعة بل له جواب آخر وهو أن
القصد منه ليس إلَى إثبات علمه تَعَالَى، بل إلَى إثبات المعلوم بطَريق برهاني، كَمَا صَرَّحَ به في
سورة آل عمران في قَوْله تَعَالَى: (وَليَعْلَمَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنُوا) الآية. فالأول
التعرض له بل التقديم والترجيح كما لا يخفى عَلَى الناظرين فالأجوبة تكون خمسة.
قوله: (ويشهد له قراءة ليُعلَم عَلَى البناء للمَفْعُول) لأن معناها ليَعلم النَّاس ذلك
ويتميز عندهم ولأن بناء المجهول يشهد بأن ليس المقصود أن يعلم واحد بعينه بل يعلم كل
من يتأتى منه العلم وظَاهر أنه فرع تمييز الله تَعَالَى بَيْنَهُمَا في الخارج بحَيْثُ لا يخفى عَلَى
أحد، ويرد عليه أن هذه الشَّهَادَة تقتضي توهين سائر الْوُجُوه مع أنها قدمها عَلَى هذا الوجه
المشهود له بهذه القراءة، وقارئ هذه القراءة الزهري كما في اللباب فتكون من الشواذ
وشهادة هذه القراءة لاعْتبَار فاعل العلم غيره تَعَالَى من الرَّسُول والْمُؤْمنينَ غير ظاهرة، وأما
ما قيل من أن نعلم للمتكلم مع الغير أي لشترك العلم بيني وبين الرَّسُول فهو سخيف جدا؛
لأن نفس المتكلم مع الغير اسْتعْمَاله في شأنه تَعَالَى للتعظيم بطَريق الاسْتعَارَة وتشريك الله
تَعَالَى مع غيره في ضمير واحد لم يسمع قطعًا، وليت شعري ماذا يقول هذا الْقَوْل في(وما
جعلنا)وقَوْلُه تَعَالَى: (فَلَنُوَلّيَنَّكَ) وغيره مما لا يحصى.
قوله: (والعلم إما بمعنى المعرفة) فيتعدى إلَى مَفْعُول واحد وهو من الموصولة وممن
ينقلب متعلق بـ نعلم بتضمين معنى التمييز. وحاصله إلَّا لنَعْلَمَ من يتبع الرَّسُول متميزًا ممن
ينقلب، والأولى والعلم إما بمعنى الإدراك إلَى مَفْعُول واحد؛ إذ لا يقال اللَّه عارف، وإن كان
الفرق بين الله عارف وبين الله عالم بمعنى عارف.
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
المنقلبين. قال العلامة الزَّمَخْشَريّ في المفصل: أفعال الشك واليقين تعلق دون غيرها. قَالُوا في
معنى التعليق إنها تعزل عن العمل اللفظي بلام الابتداء أو بهمزة الاسْتفْهَام أو بالنفي، ومعنى
التعليق أنها تعمل عملين من حيث اللَّفْظ ومن حَيْثُ الْمَعْنَى، فالعمل اللفظي نصب الاسمين
والمعنوي كون النسبة بَيْنَهُمَا معلومة أو مشكوكة، فإذا دخلت اللام أو الاسْتفْهَام أو النفي عملت
من حيث الْمَعْنَى ولم تعمل من حيث اللَّفْظ فبقيت معلقة بين العمل وعدم العمل كالشيء
المعلق بين السماء والْأَرْض.