(والميزان) . . مع الكتاب . فكل الرسالات جاءت لتقر في الأرض وفي حياة الناس ميزانا ثابتا ترجع إليه البشرية , لتقويم الأعمال والأحداث والأشياء والرجال ; وتقيم عليه حياتها في مأمن من اضطراب الأهواء واختلاف الأمزجة , وتصادم المصالح والمنافع . ميزانا لا يحابي أحدا لأنه يزن بالحق الإلهي للجميع , ولا يحيف على أحد لأن الله رب الجميع .
هذا الميزان الذي أنزله الله في الرسالة هو الضمان الوحيد للبشرية من العواصف والزلازل والاضطرابات والخلخلة التي تحيق بها في معترك الأهواء ومضطرب العواطف , ومصطخب المنافسة وحب الذات . فلا بد من ميزان ثابت يثوب إليه البشر , فيجدون عنده الحق والعدل والنصفة بلا محاباة . (ليقوم الناس بالقسط) . . فبغير هذا الميزان الإلهي الثابت في منهج الله وشريعته , لا يهتدي الناس إلى العدل , وإن اهتدوا إليه لم يثبت في أيديهم ميزانه , وهي تضطرب في مهب الجهالات والأهواء !
(وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس , وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب) . .
والتعبير [بأنزلنا الحديد] كالتعبير في موضع آخر بقوله: (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج) . كلاهما يشير إلى إرادة الله وتقديره في خلق الأشياء والأحداث , فهي منزلة بقدره وتقديره . فوق ما فيه هنا من تناسق مع جو الآية , وهو جو تنزيل الكتاب والميزان , فكذلك ما خلقه الله من شيء مقدر تقدير كتابه وميزانه .