ووجه الصلة بين الحقيقة السابقة وبين الاختيال والفخر , ثم بين هذا وذلك وبين البخل والأمر بالبخل , هو أن من يشعر بأن كل ما يصيبه هو من أمر الله , لا يختال ولا يفخر بما يعطاه . ولا يبخل ولا يأمر بالبخل في عطاء . فأما الذي لا يشعر بتلك الحقيقة فيحسب أن ما يؤتاه من مال وقوة وجاه هو من كسبه فيفخر ويختال به ; ثم يبخل كذلك ببذل شيء منه , ويحث غيره على البخل ليحقق مبدأه ومنهجه !
(ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد) . .
فمن ينفق فإنما ينفق لنفسه , ومن يستجب فإنما يستجيب لمصلحته . والله هو الغني فما به من حاجة إلى العباد المحاويج . والله هو الحميد بذاته فما يناله شيء من حمد الحامدين !
الدرس الخامس:25 - 27 خلاصة تاريخ الرسل والرسالات
وفي النهاية يجيء المقطع الأخير في السورة , يعرض باختصار خط سير الرسالة , وتاريخ هذه العقيدة , من لدن نوح وإبراهيم ; مقررا حقيقتها وغايتها في دنيا الناس ; ملما بحال أهل الكتاب وأتباع عيسى - عليه السلام - بصفة خاصة .
(لقد أرسلنا رسلنا بالبينات , وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط , وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس , وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب . إن الله قوي عزيز . ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم , وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب , فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون . ثم قفينا على آثارهم برسلنا , وقفينا بعيسى ابن مريم , وآتيناه الإنجيل , وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة , ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم , إلا ابتغاء رضوان الله , فما رعوها حق رعايتها , فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم , وكثير منهم فاسقون) . .
فالرسالة واحدة في جوهرها , جاء بها الرسل ومعهم البينات عليها , ومعظمهم جاء بالمعجزات الخوارق . وبعضهم أنزل عليه كتاب . والنص يقول: (وأنزلنا معهم الكتاب) بوصفهم وحدة , وبوصف الكتاب وحدة كذلك , إشارة إلى وحدة الرسالة في جوهرها .