الأول: الرهبانية هي المبالغة في العبادة والرياضة ، والانقطاع عن الناس ، وإيثار العزلة والتبتل ، وأصلها الفعلة المنسوبة إلى الرهَّبان ، وهو الخائف ، فعلان ، من رهب ، كخشيان من خشي .
الثاني: قال ابن كثير في قوله تعالى:
{فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} : ذَمٌ لهم من وجهين:
أحدهما: في الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله .
والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله عز وجل .
الثالث: رأيت في كثير من مؤلفات علماء المسيحيين المتأخرين ذم بدعة الرهبنة وما كان لتأثيرها في النفوس والأخلاق من المفاسد والأضرار ، فقد قال صاحب"ريحانة النفوس"منهم ، في الباب السابع عشر ، في الرهبنة:
إن الرهبنة قد نشأت من التوهم بأن الانفراد عن معاشرة الناس ، واستعمال التقشفات والتأملات الدينية ، هي ذات شأن عظيم ، ولكن لا يوجد سند لهذا الوهم في الكتب المقدسة لأن مثال المسيح ، ومثال رسله يضادانه باستقامة ، فإنهم لم يعتزلوا عن الاختلاط بالناس ، لكي يعيشوا بالانفراد ، بل إنما كانوا دائماً مختلطين بالعالم ، يعلّمون وينصحون . ونحن نقول بكل جراءة: إنه لا يوجد في جميع الكتاب المقدس مثال للرهبنة ، ولا يوجد أمر من أوامره يلزم بها ، بل العكس ، فإن روح الكتاب وفحواه يضادّ كل دعوى مبنية على العيشة المنفردة المقرونة بالتقشفات ، ولكن مع أن الكتاب المقدس لا يمدح العيشة الانفرادية ، فقد ظهر الميل الشديد إليها في الكنيسة ، في أواخر الجيل الثاني وأوائل الجيل الثالث ، وأيد الباحثين المقاومين لها وقتئذ ، أنها عادة سرت للمسيحيين من الهنود الوثنيين السمانيين ، فإن لهم أنواعاً كثيرة من عبادات تأمر كهنتها بالبتولية والامتناع عن أكل اللحم وأموراً أخرى مقرونة بخرافات .