وأما مذهب الأئمة اليوم: فمذهب أبي حنيفة أن الإمام يخير في القتل والاسترقاق ؛ ومذهب الشافعي أنه مخير في القتل والاسترقاق والفداء والمن ؛ ومذهب مالك أنه مخير في واحد من هذه الأربعة ، وفي ضرب الجزية.
والظاهر أن قوله: {وإما فداء} ، يجوز فداؤه بالمال وبمن أسر من المسلمين.
وقال الحسن: لا يفدى بالمال.
وقرأ السلمي: فشدوا ، بكسر الشين ، والجمهور: بالضم.
والوثاق: بفتح الواو ، وفيه لغة الوثاق ، وهو اسم لما يوثق به ، وانتصب مناً وفداء بإضمار فعل يقدر من لفظهما ، أي فإما تمنون مناً ، وإما تفدون فداء ، وهو فعل يجب إضماره ، لأن المصدر جاء تفصيل عاقبة ، فعامله مما يجب إضماره ، ونحوه قول الشاعر:
لأجهدنّ فإما درء واقعة ...
تخشى وإما بلوغ السؤل والأمل
أي: فإما أدرأ درأ واقعة ، وإما أبلغ بلوغ السؤل.
وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكونا مفعولين ، أي أدوهم منا واقبلوا ، وليس إعراب نحوي.
وقرأ ابن كثير في رواية شبل: وإما فدى بالقصر.
قال أبو حاتم: لا يجوز قصره لأنه مصدر فاديته ، وهذا ليس بشيء ، فقد حكى الفراء فيه أربع لغات: فداء لك بالمد والإغراء ، وفدى لك بالكسر بياء والتنوين ، وفدى لك بالقصر ، وفداء لك.
والظاهر من قوله: {فإما مناً} : المن بالإطلاق ، كما منّ الرسول عليه الصلاة والسلام على ثمامة ، وعلى أبي عروة الحجبي.
وفي كتاب الزمخشري: كما منّ على أبي عروة الحجبي ، وأثال الحنفي ، فغير الكنية والاسم ، ولعل ذلك من الناسخ ، لا في أضل التصنيف.
وقيل: يجوز أن يراد بالمنّ: أي يمنّ عليهم بترك القتل ويسترقوا ، أو يمن عليهم فيخلوا لقبولهم الجزية وكونهم من أهل الذمة.
والظاهر أن قوله: {حتى تضع الحرب أوزارها} غاية لقوله: {فشدوا الوثاق} ، لأنه قد غيا فضرب الرقاب بشد الوثاق وقت الإثخان.