وبعد استعراض هذه الأدلة من الفريقين نرى أن الأرجح أن يفوض أمر الحرب لأهل الاختصاص من ذوي الرأي والبصر ، يفعلون ما تقتضي به المصلحة العامة ، فإن رأوا قتل الأسرى قتلوهم ، وإن رأوا أخذ الفداء بالمال أو بالأسرى ، فادوهم ، وإن رأوا إبقاءهم في الأسر تركوهم تحت أيدي المسلمين ، فيترك لهم تقدير المصلحة حسب الظروف التي هم فيها ، وهذه من (السياسة الحكيمة) التي ينبغي أن تتوفر في قادة المسلمين .
والرسول صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك كله ، فأسر من أسر ، وقتل من قتل ، وفادى منهم ، وأطلق سراح من أطلق دون مال ولا فداء . وما نزل من آيات العتاب في سورة الأنفال فإنما كان بتوجيه إلهي حكيم - حسب المصلحة أيضا - حيث نزلت هذه الآيات الكريمة في (غزوة بدر) وهي أول حرب يخوضها المسلمون مع أعدائهم ، فكانت المصلحة تقضي بترجيح جانب الشدة على جانب الرحمة ، بالقتل ، والإثخان ، وإراقة الدماء ، حتى لا يطمع المشركون بالإقدام على حرب المسلمين مرة أخرى ، وحتى تقلم أظافر الكفر منذ اللحظة الأولى ، فإذا علم المشركون أن لا رحمة في قلوب المسلمين عليهم ، هابوهم وتخوفوا من الإقدام على حربهم ، وهذا ما كان قد أشار به الفاروق عمر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن موافقا لرأية .
ولما كثر عدد المسلمين ، وقويت شوكتهم ، وأصبحت الدولة بأيديهم نزل القرآن الكريم بالمن والفداء على الأسرى ، بعد أن توطدت دعائم الدولة الإسلامية ، وأصبح صرح الإسلام شامخا عتيدا ، فكان المن عن قوة ، لا عن ضعف ، وعن عزة ، لا عن ذلة واستكانة .
فالمصلحة العامة هي التي ينبغي أن تراعى في مثل هذه الحالات ، والحرب مكر وخديعة ، ولا عزة للضعفاء المستكينين .
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
أولا: المؤمن يقاتل في سبيل الله ، لإعلاء كلمة الله ، فينبغي أن يكون شجاعا مقداما .