وقد فاضلت الأنماريّة بين الكمَلة من بنيها ثم قالت لمَّا أبصرت مراتبهم متقاربة قليلة التفاوت: ثَكِلْتُهم إن كنتُ أعلم أيُّهم أفضل ، هم كالحَلْقة المفرغَة لا يُدرَى أيْنَ طرفاها.
فالمعنى: وما نريهم من آية إلاّ وهي آية جليلة الدلالة على صدق الرّسول صلى الله عليه وسلم تكاد تنسيهم الآية الأخرى.
والأخت مستعارة للمماثلة في كونها آية.
وعطف {وأخذناهم بالعذاب} على جملة {وما نريهم من آية} لأن العذاب كان من الآيات.
والعذاب: عذاب الدنيا ، وهو ما يؤلم ويشق ، وذلك القحط والقُمَّل والطوفان والضفادع والدم في الماء.
والأخذ بمعنى: الإصابة.
والباء في {بالعذاب} للاستعانة كما تقول: خذ الكتاب بقوة ، أي ابتدأناهم بالعذاب قبل الاستئصال لعل ذلك يفيقهم من غفلتهم ، وفي هذا تعريض بأهل مكة إذ أصيبوا بسني القحط.
والرجوع: مستعار للإذعان والاعتراف ، وليس هو كالرجوع في قوله آنفاً {وجعلها كلمةً باقية في عقبه لعلهم يرجعون} [الزخرف: 28] .
وضمائر الغيبة في {نريهم} و {أخذناهم} ، و {لعلهم} عائدة إلى فرعون وملَئِه.
وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (49)
عطف على {وأخذناهم بالعذاب} [الزخرف: 48] .
والمعنى: ولما أخذناهم بالعذاب على يد موسى سألوه أن يدعو الله بكشف العذاب عنهم.
ومخاطبتهم موسى بوصف الساحر مخاطبة تعظيم تزلفاً إليه لأن الساحر عندهم كان هو العالم وكانت علوم علمائهم سِحرية ، أي ذات أسباب خفية لا يعرفها غيرهم وغيرُ أتباعهم ، ألاَ تَرى إلى قول ملأ فرعون له {وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سَحَّار عليم} [الشعراء: 36 ، 37] .
وكان السحر بأيدي الكهنة ومن مَظاهره تحنيط الموتى الذي بقيت به جثث الأموات سالمة من البِلى ولم يطلع أحد بعدهم على كيفية صنعه.