الْأَوَّلُ: أَنَّ مَدَارَ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ عَلَى إِظْهَارِ الْإِنْصَافِ وَتَرْكِ اللِّجَاجِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ إِنْ كَانَ كَاذِبًا كَانَ ضَرَرُ كَذِبِهِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَصِلَ إِلَيْكُمْ بَعْضُ مَا يَعِدُكُمْ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ مَا ذُكِرَ صَحَّ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [سَبَأٍ: 24] .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَتَوَعَّدُهُمْ بِعَذَابِ الدُّنْيَا وَبِعَذَابِ الْآخِرَةِ، فَإِذَا وَصَلَ إِلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا عَذَابُ الدُّنْيَا فَقَدْ أَصَابَهُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُهُمْ بِهِ، الْوَجْهُ
الثَّالِثُ: حُكِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّهُ قَالَ وُرُودُ لَفْظِ الْبَعْضِ بِمَعْنَى الْكُلِّ جَائِزٌ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ لَبِيدٍ:
تَرَاكَ أَمْكِنَةٌ إِذَا لَمْ أَرْضَهَا ... أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمَامَهَا
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ خَطَأٌ، قَالُوا وَأَرَادَ لَبِيدٌ بِبَعْضِ النُّفُوسِ نَفْسَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَقالَ فِرْعَوْنُ يَاهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ(36) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِبًا ... (37)
«فَإِنْ قِيلَ» : مَا فَائِدَةُ هَذَا التكرير.
ولو قيل: لعلي أبلغ الأسباب السماوات، كَانَ كَافِيًا؟
أَجَابَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» عَنْهُ فَقَالَ: إِذَا أُبْهِمَ الشَّيْءُ ثُمَّ أُوضِحَ كَانَ تَفْخِيمًا لشأنه، فلما أراد تفخيم أسباب السماوات أَبْهَمَهَا ثُمَّ أَوْضَحَهَا.
(مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها ...(40)
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ يَصِحُّ هَذَا الْكَلَامُ، مَعَ أَنَّ كُفْرَ سَاعَةٍ يُوجِبُ عِقَابَ الْأَبَدِ؟