وروي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مرَّ برجل من أهل العراق يتساقط قال: ما لهذا؟ قالوا: إنه إذا قرئ عليه القرآن وسمع ذكر الله تعالى سقط، فقال ابن عمر رضي الله عنهما: إنا لنخشى الله وما نسقط إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم، ما هكذا كان يصنع أصحاب رسول الله.
وذكر عند ابن سيرين الذين يصرعون إذا قرئ القرآن فقال: بيننا وبينهم أن يقعد واحد منهم على ظهر بيت باسطاً رجليه ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره، فإن رمى بنفسه فهو صادق.
وليس هذا القول منهم إنكاراً على الإطلاق إذ يتفق ذلك لبعض الصادقين، ولكن للتصنع المتوهم في حق الأكثرين، فقد يكون ذلك من البعض تصنعاً ورياء، ويكون من البعض لقصور علم ومخامرة جهل ممزوج بهوى يلمّ بأحدهم يسير من الوجد فيتبعه بزيادات يجهل أن ذلك يضر بدينه، وقد لا يجهل أن ذلك من النفس ولكن النفس تسترق السمع استراقاً خفياً تخرج الوجد عن الحد الذي ينبغي أن يقف عليه وهذا يباين الصدق.
نقل أن موسى عليه السلام وعظ قومه فشق رجل منهم قميصه، فقيل لموسى عليه السلام: قل لصاحب القميص لا يشق قميصه ويشرح قلبه.
وأما إذا انضاف إلى السماع أن يسمع من أمرد فقد توجهت الفتنة وتعين على أهل الديانات إنكار ذلك.
قال بقية بن الوليد: كانوا يكرهون النظر إلى الغلام الأمرد الجميل.
وقال عطاء: كل نظرة يهواها القلب فلا خير فيها.
وقال بعض التابعين: ما أنا أخوف على الشاب التائب من السبع الضاري خوفي عليه من الغلام الأمرد يقعد إليه.
وقال بعض التابعين أيضاً: اللوطية على ثلاثة أصناف: صنف ينظرون، وصنف يصافحون، وصنف يعملون ذلك العمل.
فقد تعين على طائفة الصوفية اجتناب مثل هذه الجماعات واتقاء مواضع التهم فإن التصوف صدق كله وجد كله.
يقول بعضهم: التصوف كله جد فلا تخلطوه بشيء من الهزل، فهذه الآثار دلت على اجتناب السماع وأخذ الحذر منه.
والباب الأول بما فيه دل على جوازه بشروطه وتنزيهه عن المكاره التي ذكرناها وقد فصلنا القول وفرقنا بين القصائد والغناء وغير ذلك، وكان جماعة من الصالحين لا يسمعون ومع ذلك لا ينكرون على من يسمع بنية حسنة ويراعي الأدب فيه.