قال بعض أصحاب سهل: صحبت سهلاً سنين ما رأيته تغير عند شيء كان يسمعه من الذكر والقرآن؛ فلما كان في آخر عمره قرئ عنده: {فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ} (الحديد: الآية 15) فارتعد وكاد يسقط؛ فسألته عن ذلك؟ قال: نعم لحقني ضعف. وسمع مرة: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ} (الفرقان: الآية 26) فاضطرب، فسأله ابن سالم وكان صاحبه قال: قد ضعفت؛ فقيل له: إن كان هذا من الضعف فما القوة؟ قال: القوة أن الكامل لا يرد عليه وارد إلا يبتلعه بقوة حاله فلا يغيره الوارد.
ومن هذا القبيل قول أبي بكر رضي الله عنه: هكذا كنا حتى قست القلوب، لما رأى الباكي يبكي عند قراءة القرآن.
وقوله: «قست» أي تصلبت وأدمنت سماع القرآن وألفت أنواره فما استغربته حتى تغير والواجد كالمستغرب.
ولهذا قال بعضهم: حالي قبل الصلاة كحالي في الصلاة إشارة منه إلى استمرار حال الشهود، فهكذا في السماع كقبل السماع. وقد قال الجنيد: لا يضر نقصان الوجد مع فضل العلم، وفضل العلم أتم من فضل الوجد، وبلغنا عن الشيخ حماد رحمه الله كان يقول: البكاء من بقية الوجود. وكل هذا يقرب البعض من البعض في المعنى لمن عرف الإشارة فيه، وفهم وهو عزيز الفهم، عزيز الوجود، واعلم أن للباكين عند السماع مواجيد مختلفة فمنهم من يبكي خوفاً، ومنهم من يبكي شوقاً، ومنهم من يبكي فرحاً؛ كما قال القائل:
طفح السرور عليَّ حتى أنني ... من عظم ما قد سرّني أبكاني
قال الشيخ أبو بكر الكتاني رحمه الله: سماع العوام على متابعة الطبع، وسماع المريدين رغبة ورهبة، وسماع الأولياء رؤية الآلاء والنعماء، وسماع العارفين على المشاهدة، وسماع أهل الحقيقة على الكشف والعيان؛ ولكل واحد من هؤلاء مصدر ومقام.
وقال أيضاً: الموارد ترد فتصادف شكلاً أو موافقاً فأي وارد صادف شكلاً مازجه؟ وأي وارد صادف موافقاً ساكنه؟ وهذه كلها مواجيد أهل السماع. وما ذكرناه حال من ارتفع عن السماع. وهذا الاختلاف منزل على اختلاف أقسام البكاء التي ذكرناها من الخوف والشوق والفرح، وأعلاها بكاء الفرح بمثابة قادم يقدم على أهله بعد طول غربته فعند رؤية الأهل يبكي من قوة الفرح وكثرته. انتهى انتهى {عوارف المعارف، للسُّهْرَوَرْدي} ...