في قوله: وذاك يصلح للدنيا وللدين؛ أي: يصلح لدنيا رعيته ولدينهم، وإلا فإنه صلح في نفسه لأنه ملك الأمة باستخلافه، فلم يستفزه الملك عن زي المساكين واستكانتهم، فقد اصطفاه الله تعالى في الدنيا وفي الآخرة لأن مشرب قلبه من مشرب قلب إبراهيم عليه السلام، وقد أثنى الله تعالى عليه بقوله: {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [سورة البقرة: 130] .
فأبو بكر رضي الله تعالى عنه لما رغب في ملة إبراهيم فكان أول
المسلمين اصطفاه الله في الدنيا واختاره للخلافة عليهم؛ {وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [سورة البقرة: 130] .
* فائِدَةٌ رابِعَةٌ وتسعونَ:
روى ابن جهضم عن أبي علي الروذباري قال: إذا وجدت العارف متراخيًا عن الأوراد التي كانت له في البدايات فليس يصلح للقدوة؛ يعني: من حيث إن من يراه ممن يحتاج إلى الاقتداء به يقلده في التراخي والتجوز، وما أسرع النفس إلى تقليد من يوافق حاله هواها.
وإن كان مقام العارف لا ينقص بالتقاعد عن الأوراد، والأعمال الظاهرة إذا أدى الفرائض منها والمؤكدات من التطوعات لقوله - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ أَبْصَرُهُمْ بِالْحَق إِذا اخْتَلَفَ النَّاسُ؛ وإنْ كانَ مُقَصرًا في عَمَلِهِ، وإنْ كانَ يَزْحَفُ عَلى اسْتِهِ زَحفًا". رواه الطبراني، وغيره.
وقلت في معنى الحديث: من الخفيف
أَعْلَمُ النَّاسِ أَبْصَرُ النَّاسِ بِالْحَقِّ ... إِذا ما رَأَيْتَ في النَّاسِ خُلْفا
ذاكَ ما ضَرَّهُ وَلا نالَ مِنْه ... نَقْصُ أَعْمالِهِ وَلَوْ سارَ زَحْفا
وقال ابن عطاء الله الإسكندري في"حِكَمه": إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبال معها أن قل عملك؛ فإنه ما فتحها لك] إلا وهو يريد بأن يتعرف إليك؛ ألم تعلم] أن التعرف هو مورده عليك، والأعمال أنت مهديها إليه، وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك؟
وقال الجد رضي الله تعالى عنه في"نظم الدرر اللوامع": من الرجز
وَصاحِبُ العِرْفانِ لا يُبالِي ... إِذا ابْتُلِيْ بِقِلَّةِ الأَعْمالِ