فالأول كالهدية إلى الصالح ليدعو لك، وإلى العالم ليعلمك، وإلى الولي ليزوجك وأنت كفؤ، فالإهداء في ذلك مستحب، والمهدى إليه إن اطلع على مراد المهدي في ذلك فينبغي أن لا يقبل الهدية في مقابلة العمل الصالح ليخلص له أجره، ومتى علم أو ظن أن الباعث للمهدي على الهدية مجرد المحبة والتودد، فقبول الهدية سنة، وكذلك المكافأة عليها.
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبل الهدية ويثيب عليها. رواه الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، والترمذي.
وإلى ذلك الإشارة بقوله - صلى الله عليه وسلم:"تَهادُوا تَحابُّوا"؛ فإن التفاعل يقتضي المشاركة في الفعل.
وإن أهدى أحد الأخوين وكافأه الآخر بهدية فقد تم التحاب، فإن لم يكافئه وهو قادر على المكافاة بأن لم يهد إليه بالكلية، أو أهدى إليه دون هديته، لم يتم التحاب لأنه أحب لنفسه أكثر مما يحب لأخيه.
ومن ثم قال وهب بن منبه: ترك المكافأة من التطفيف. رواه عبد الرزاق، ومن طريقه الإمام أحمد في"الزهد"، ومن طريقه أبو نعيم.
فإن لم يقدر على المكافأة بالهدية والإحسان فليكافئه بالدعاء والثناء. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْروفٌ فَقالَ لِفاعِلِهِ: جَزاكَ اللهُ خَيْراً فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّناءِ". رواه الترمذي - وحسنه - والنسائي، وابن حبان، وغيرهم عن أسامة بن زيد.
وقد يكون الغرض في الهدية تصفية ما بينه وبين المهدى إليه، وإذهاب ما في صدره من العداوة، وهو غرض محبوب أيضا لقوله - صلى الله عليه وسلم:"تَهادُوا؛ فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُضَعِّفُ الْحُبَّ وَتَذْهبُ بِغوائِلِ الصُّدورِ". رواه الطبراني في"الكبير"عن أم حكيم بنت وداع رضي الله تعالى عنها.
وروى الإمام أحمد، والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"تَهادُوا؛ فَإِنَّ الْهَدِيَّةُ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ، وَلا تَحْقِرَنَّ جارَةٌ لِجارَيِها وَلَوْ كانَ شِقَّ فِرْسِنِ شاةٍ".
وقد يكون الغرض في الهدية اتقاء شر المهدى إليه، فمهديها مأجور وآخذها يأخذها رشوة.