ومثل هذا لا ينبغي أن يعزم العبد على المعصية اعتماداً على التوبة، لأنه قد يحال بينه وبين التوبة كما قال تعالى: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} [سورة سبأ: 54] .
ويحتمل أن يكون معنى قولهم: {وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ} [سورة يوسف: 9] أي: صالحاً حالكم وبالكم من حيث إن قلوبكم لم تتشتت بسبب محبة أبيكم ليوسف وإقباله عليه، ويكون وداد أبيكم ونظره إليكم مقصوراً عليكم، ومن حيث إن يوسف إذا ذهب عن شقيقه لم يبق لشقيقه قوة في معارضتنا.
ولقد تكدر عليهم مرادهم، وتنغصت معيشتهم لحزن أبيهم لفراق ولده، وتوجه قلبه إلى طلبه.
كذلك من طلب صلاح شأنه بنفسه وتدبير نفسه لم يتم مراده، ولم يحصل على مرامه.
* فائِدَةٌ حادِيَةٌ وَثَمانونَ:
قال الله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78) } [سورة التوبة: 75 - 78] .
في هذه الآية الكريمة أنه لا ينبغي للعبد أن يثق بنفسه في وعدها
بالصلاح وهي تطلب الدنيا، وأن الصلاح لا يتم لعبد وقلبه ملتاظ بالدنيا، وأن معاهدة العبد الله تعالى على العمل الصالح إن آتاه من الدنيا مالاً أو جاهاً أو منصباً مستنداً إلى حوله وقوته، غير مستعين بالله تعالى من أحوال المنافقين.
روى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في"دلائل النبوة"عن أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه قال: جاء ثعلبة بن حاطب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني مالاً.
قال:"ويحَكَ يا ثَعْلَبَةُ! قَلِيلٌ تُطِيقُ شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ".
فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني مالاً.