ولكن أقرب منه أن يراد بالصالحين: الذين لا يبطلون صدقاتهم بالمن والأذى، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [سورة البقرة: 262] .
بل من هؤلاء من يرون المنة للسائل عليهم، ويسابقون السائل بالعطاء، ولا يقولون له: لا، وكان بعضهم يقول للسائل: اكتب ما تحتاج إليه في مرة أخرى؛ فإني أكره أن أرى في وجهك ذُلَّ السؤال.
ومن شأن هؤلاء البشاشة والصباحة، وإجزال النوال، والسماحة، ولا يعبسون في وجهه، ولا يتبرمون من سؤاله، وهم حِسان الوجوه
الذين قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حقهم:"الْتَمِسُوا الْخَيْرَ عِنْدَ حِسانِ الوُجُوهِ". رواه تمام في"فوائده"من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وله طرق أخرى، وهذه أحسن الطرق.
وفي بعض ألفاظه:"اطْلُبُوا الْحَوائِجَ وَالْخَيْرَ عِنْدَ حِسانِ الوُجُوهِ".
وفي لفظ آخر:"عِنْدَ صِباحِ الوُجُوهِ".
وقال حسان بن ثابت، أو عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنهما كما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب"قضاء الحوائج"، والعسكري في"الأمثال": من الخفيف
لَقَدْ سَمِعْنا نبَيَّنا قالَ قَولاً ... هُوَ لِمَنْ يَطْلُبُ الْحَوائِجَ راحة
اطْلُبُوا الْخَيْرَ وَالْحَوائِجَ مِمَّنْ ... زَيَّنَ اللهُ وَجْهَهُ بِصَباحَة
وما أحسنَ ما قيل: من مجزوء الكامل المرفل]
لِلْخَيْرِ أَهْلٌ لا تَزا ... لُ وُجُوهُهُمْ تَدْعُو إِلَيْهِ
طُوبَى لِمَنْ جَرَتِ الأُمُو ... رُ الصَّالِحاتُ عَلى يَدَيْهِ
* فائِدَةٌ ثالِثَةٌ وَخَمْسونَ:
إذا كان سؤال الدنيا إذا احتيج إليه لا ينبغي أن يكون إلا من الصالحين، فالسؤال عن العلم واستفادته أولى بأن لا يكون إلا من الصالحين.
روى مسلم في مقدمة"الصحيح"عن محمد بن سيرين رحمه الله تعالى قال: إن هذا العلم دين؛ فانظروا عمن تأخذون دينكم.