لما لعن الله تعالى علماء السوء استثنى منهم مَنْ راجع الصلاح والإصلاح فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [سورة البقرة: 159 - 160] .
قال عطاء في قوله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا} [سورة البقرة: 160] ؛ قال: ذلك كفارة له. رواه عبد بن حميد.
قلت: وإذا راجع العالم دينه، وصلح وأصلح، وبَيَّن ما كتم؛ فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له، يساوي العلماء الصالحين فيما لهم؛ فإن الملائكة وسائر الخلق تستغفر لهم كما سيأتي.
فكان تسخيرُ اللهِ تعالى الخلق في الاستغفار للعلماء الصالحين كالمقابل لبعثهم على لعن العلماء بالسوء.
* فائِدَةٌ سادِسَةٌ وَعِشرُونَ:
العلماء الصالحون أدلة الخلق وهداتهم؛ فإذا تاه الدليل وحار الهادي فكيف حال المستدل والمهتدي؟
وهذا يوضح معنى حديث ابن عباس المتقدم آنفاً.
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في"زوائد الزهد"عن سفيان قال: قال عيسى عليه السلام: إنما أعلمكم لتعلموا، ليس لتعجبوا؛ يا ملحَ الأرض! لا تفسدوا؛ فإن الشيء إذا فسد إنما يصلح بالملح، وإن الملح إذا فسد لم يصلحه شيء.
وأنشد بعض المتقدمين: من الرجز
يا عُلَماءَ النَّاسِ يا مِلْحَ البَلَد ... ما يُصْلِحُ الْمِلْحَ إِذا الْمِلْحُ فَسَد
* فائِدَةٌ سابِعَةٌ وَعِشرُونَ:
قد سبق أن الصالحين إنما أصلحهم الله تعالى، وأنه إنما يطلب الصلاح بتوفيق الله إليه.