قال مجاهد رحمه الله تعالى: لو لم يكن في الأخ الصالح إلا أن حياءك منه يمنعك عن معصية الله تعالى كفاك.
قلت: ولقد كان هذا مستقراً في نفوس العقلاء أن العاقل إذا أراد أن يعصي استحيى من صالحي قومه وأهله استحياءً يمنعه من المعصية.
ومن ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"اسْتَحْيِ مِنَ اللهِ اسْتِحْياءَكَ مِنْ رَجُلَينِ صالِحَينِ مِنْ عَشِيرَتكَ"، كما تقدم.
وأما الآن فقد قل الحياء، وقل من يُستحى منه.
وفي"معجم الطبراني الكبير"- وإسناده حسن كما قال المنذري - عن عبد الله بن بُسر رضي الله تعالى عنه قال: لقد سمعت حديثاً منذ زمان:"إِذا كُنتَ فِي قَوْمٍ - عِشرِينَ رَجلاً أَوْ أقلَّ أَوْ أَكْثَرَ - فَتَصَفَّحْتَ وُجُوهَهُمْ،"
فَلَمْ تَرَ فِيهِمْ رَجُلاً يُهابُ، فَاعْلَمْ أَنَّ الأَمْرَ قَدْ رَقَّ"."
ولقد قلت: من الرمل
رَقَّ أَمْرُ الدِّينِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ ... فِي عَشِيرٍ واحِدٌ مِنْهُمْ يُهابْ
أَيْنَ مَنْ يَسْتَحِي أَوْ مَنْ] يُسْتَحَى ... مِنْهُ فَلا يَحْصُلُ ما كانَ يُعاب
مُنْكَرُ الأُمَّةِ مَعْروفٌ كَما ... عُدَّ ماكانَ خِطاءً فِي الصَّواب
* فائِدَةٌ رابِعَةَ عَشْرَةَ:
قال ابن عطية في"تفسيره": حدثني أبي: أنه سمع أبا الفضل الجوهري في سنة سبع وستين وأربع مئة يقول: إن مَنْ أَحَبَّ أهلَ الخير نال من بركتهم؛ كلبٌ أحب أهل فضل وصحبهم ذكرَه الله تعالى معهم في القرآن؛ يعني: كلب أصحاب الكهف.
قلت: ويدخل معهم الجنة كما قال خالد بن معدان: ليس في الجنة من الدواب إلا كلب أهل الكهف، وناقة صالح، وحمار العزير.
نقله الدميري في"حياة الحيوان"، والسيوطي في"ديوان الحيوان".
قلت: والثلاثة أيضاً مذكورات في القرآن، والحكمة في ذلك أن كل واحد منها كان آية عظيمة.
وروى ابن المنذر عن ابن جريج رحمه الله تعالى في قوله تعالى: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} [سورة الكهف: 18] ؛ قال: يمسك عليهم باب الكهف؛ أي: ليحرسهم مما يؤذيهم، أو تنتهك حرمتهم.
وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن حميد المكي رحمه الله: أنه قال في كلب أصحاب الكهف: جعل رزقه في لحس ذراعيه.