فصحبه، فكان العابد يتخلف عنه ويطيف، فأنزل الله تعالى ملكاً، فلما رآه الشيطان عرفه ولم يعرفه الإنسان، فكان إذا مشى تخلف الشيطان، فمدَّ الملك يده نحو الشيطان فقتله، فقال الرجل: ما رأيت كاليوم! قتلته وهو من حاله ومن حاله؟
ثم انطلقا حتى نزلا قرية، فأنزلوهما وضيفوهما، فأخذ الملك منهم إناء من فضة، ثم انطلقا فنزلا في قرية أخرى، فزجروهما ولم يضيفوهما، فأعطاهم الملك الإناء.
فقال له: أما من أضافنا فأخذت إناءهم، ومن لم يضفنا أعطيته الإناء؟ فلن تصحبني!
قال: أما الذي قتلت فإنه شيطان أراد أن يفتنك، وأما الذي أخذت منهم الإناء فإنهم قوم صالحون فلم يكن ينبغي لهم، وكان هؤلاء قوماً فاسقين فكانوا أحق به.
ثم عرج إلى السماء والرجل ينظر إليه.
* فائِدَة سابِعَةٌ:
قال وهب بن منبه رحمه الله تعالى: مكتوب في التوراة: علامة الرجل الصالح أن يخاصمه قومه؛ الأقربُ فالأقرب.
قلت: وذلك لأن الرجل الصالح من شأنه إذا تكمل أن يفيض من كماله على غيره، ثم من شأنه الابتداء بالدعوة إلى الله تعالى وإلى سبيله بأهله وقومه، كما قال الله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [سورة الشعراء: 214] .
وكما يقال: الأقربون أولى بالمعروف.
وأفضل الصدقةِ الصدقةُ على الأقارب، والعلم والهداية والإصلاح من أفضل الصدقات.
ثم إن الحق ثقيل، فإذا ألقاه الصالح على أقربائه وهم لا يرون له فضلاً عليهم، بل يرون أنفسهم أمثاله، ويعتبرون تسوية النسب بينهم، فإذا ألقاه إليهم عاداه الأقرب فالأقرب منهم، وكذَّبوه على ترتيب دعوته لهم إلا من وفقه الله تعالى منهم، كما قال الله تعالى: {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ} [سورة الأنعام: 66] .
وفي"صحيح البخاري"، وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما نزلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) } [سورة الشعراء: 214] ، ورهطك منهم المخلصين؛ خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى صعِد على الصفا، فهتف:"يا صَباحاه!".
فقالوا: من هذا الذي يهتف؟