النمل 14. فإنْ قُلْتَ ما دُمتم حريصين على أنْ يرحم اللهُ هؤلاء الكافرين، فلماذا لا تُلِحون عليهم بالآيات الجديدة إلى أنْ يؤمنوا فيرحمهم الله؟ نقول مهما جئناهم بالآيات فسوف ننتهي إلى هذه النتيجة التي قررها القرآن {وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ} يس 46.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}
هذا لون آخر من عنادهم وقَلْبهم للحقائق، فإذا قال لهم الناصح {أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله} يس 47 يعني مما استخلفكم فيه لا مما عندكم، وملَكه لكم يكون الرد {أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} يس 47 هكذا يقلب الكافر حقائق الأمور ويتبجحون بالباطل. {أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} يس 47 يعني لسنا بخلاء بل نحب أنْ ننفق، وأن ننفذ مرادات الله في خَلْقه، والله يريد أن يمنع الرزق عن هؤلاء، فكيف نرزقهم نحن، إننا لو أنفقنا عليهم لكنا معاندين مخالفين لمراد الله، ولو شاء الله لأطعمهم. ولم يقفوا بعنادهم عند هذا الحدِّ، إنما يتمادَوْنَ فيتهمون المؤمنين بالضلال المبين {إِنْ أَنتُمْ} يس 47 يعني ما أنتم {إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} يس 47 سبحان الله، لماذا؟ لأنكم تعارضون مراد الله، وتُطعمون مَنْ حرمه الله وتجيرون عليه. نعم، الحق سبحانه رب الجميع، ويرزق الجميع، ويطعمنا ويسقينا، لكنه سبحانه يريد أنْ يشهد عطف عباده على عباده لتسير حركتهم في الحياة بلا غِلٍّ، وبلا حقد، فالفقير حين ينال من خير الغنيِّ لا يحقد عليه ولا يحسده، بل يتمنى دوام النعمة عنده، ثم إن الغِنَى والفقر عَرَض ينتقل ويزول، والواقع يشهد بذلك.
{وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}
قولهم {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ} يس 48 أي الوعد بالآخرة وكلمة الوعد تدل على البشارة بالخير، على خلاف الوعيد وهو إنذار بالشرِّ، فعجيب منهم أنْ ينكروا الوعد وهو في صالحهم، وحظهم في الوعد لا في الوعيد. وهذا الاستفهام منهم على سبيل الإنكار، فليس هناك آخرة ولا حساب ولا جزاء، والعاقل منهم الذي يعترف بالآخرة يقول كما قال صاحب الجنة