قوله: {يسعى} تبصرة للمؤمنين وهداية لهم ، ليكونوا في النصح باذلين جهدهم ، وقد ذكرنا فائدة قوله: {مِنْ أَقْصَى المدينة} وهي تبليغهم الرسالة بحيث انتهى إلى من في أقصى المدينة والمدينة هي أنطاكية ، وهي كانت كبيرة شاسعة وهي الآن دون ذلك ومع هذا فهي كبيرة وقوله تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ اتبعوا المرسلين} فيه معان لطيفة الأول: في قوله: {يا قَوْمِ} فإنه ينبئ عن إشفاق عليهم وشفقة فإن إضافتهم إلى نفسه بقوله: {يا قَوْمِ} يفيد أنه لا يريد بهم إلا خيراً ، وهذا مثل قول مؤمن آل فرعون {ياقوم اتبعون} [غافر: 38] فإن قيل قال هذا الرجل {اتبعوا المرسلين} وقال ذلك {اتبعون} فما الفرق ؟ نقول هذا الرجل جاءهم وفي أول مجيئه نصحهم وما رأوا سيرته ، فقال: اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لكم السبيل ، وأما مؤمن آل فرعون فكان فيهم واتبع موسى ونصحهم مراراً فقال اتبعوني في الإيمان بموسى وهارون عليهما السلام ، واعلموا أنه لو لم يكن خيراً لما اخترته لنفسي وأنتم تعلمون أني اخترته ، ولم يكن للرجل الذي جاء من أقصى المدينة أن يقول أنتم تعلمون اتباعي لهم الثاني: جمع بين إظهار النصيحة وإظهار إيمانه فقوله: {اتبعوا} نصيحة وقوله: {المرسلين} إظهار أنه آمن الثالث: قدم إظهار النصيحة على إظهار الإيمان لأنه كان ساعياً في النصح ، وأما الإيمان فكان قد آمن من قبل وقوله: {رَجُلٌ يسعى} يدل على كونه مريداً للنصح وما ذكر في حكايته أنه كان يقتل وهو يقول:"اللهم اهد قومي".
اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21)