بالمنطق الرصين، وبتأكيد أنهم رسل الله، وأنهم صادقون في رسالتهم، لأن قولهم رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ جار مجرى القسم في التوكيد.
وقولهم: وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ تحديد للوظيفة التي أرسلهم الله - تعالى - من أجلها.
ولكن أهل القرية لم يقتنعوا بهذا المنطق السليم، بل ردوا على الرسل ردا قبيحا، فقالوا لهم: إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ، لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ، وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ والتطير:
التشاؤم. أي قالوا في الرد عليهم: إنا تشاءمنا من وجودكم بيننا، وكرهنا النظر إلى
وجوهكم، وإذا لم ترحلوا عنا، وتكفوا عن دعوتكم لنا إلى ما لا نريده، لنرجمنكم بالحجارة، وليمسنكم منا عذاب شديد الألم قد ينتهى بقتلكم وهلاككم.
قال صاحب الكشاف: قوله تَطَيَّرْنا بِكُمْ أي: تشاءمنا بكم، وذلك أنهم كرهوا دينهم، ونفرت منه نفوسهم، وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شيء مالوا إليه، واشتهوه وآثروه وقبلته طباعهم، ويتشاءموا مما نفروا عنه وكرهوه، فإن أصابهم خير أو بلاء، قالوا:
ببركة هذا وبشؤم هذا .. .
ولكن الرسل قابلوا هذا التهديد - أيضا - بالثبات، والمنطق الحكيم فقالوا لهم:
طائِرُكُمْ مَعَكُمْ، أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ.
أي: قال الرسل لأهل القرية: ليس الأمر كما ذكرتم من أننا سبب شؤمكم، بل الحق أن شؤمكم معكم، ومن عند أنفسكم، بسبب إصراركم على كفركم، وإعراضكم عن الحق الذي جئناكم به من عند خالقكم.
وجواب الشرط لقوله: أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ محذوف، والتقدير: أئن وعظتم وذكرتم بالحق، وخوفتم من عقاب الله .. تطيرتم وتشاءمتم.
وقوله: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ إضراب عما يقتضيه الاستفهام والشرط من كون التذكير سببا للشؤم.
أي: ليس الأمر كما ذكرتم من أن وجودنا بينكم هو سبب شؤمكم، بل الحق أنكم قوم عادتكم الإسراف في المعاصي، وفي إيثار الباطل على الحق، والغي على الرشد، والتشاؤم على التيامن. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لـ طنطاوي. 12/ 11 - 22} ...