أي: والله لقد ثبت وتحقق الحكم أولا بالعذاب على أكثر هؤلاء المنذرين بسبب عدم إيمانهم برسالتك، وجحودهم الحق الذي جئتهم به، وإيثارهم باختيارهم الغي على الرشد، والضلال على الهدى ...
وقال - سبحانه - عَلى أَكْثَرِهِمْ لأن قلة منهم اتبعت الحق، وآمنت به، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ.
ثم صور - سبحانه - انكبابهم على الكفر، وإصرارهم عليه، تصويرا بليغا فقال: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ.
والأغلال: جمع غل - بضم الغين، وهو القيد الذي تشد به اليد إلى العنق بقصد التعذيب والأذقان: جمع ذقن - بفتح الذال - وهو أسفل الفم.
ومقمحون. من الإقماح، وهو رفع الرأس مع غض البصر. يقال: قمح البعير قموحا إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب. والفاء في قوله فَهِيَ وفي قوله فَهُمْ: للتقريع.
أي: إنا جعلنا في أعناق هؤلاء الجاحدين قيودا عظيمة، فهي - أي هذه القيود - واصلة إلى أذقانهم، فهم بسبب ذلك مرفوعة رءوسهم، مع غض أبصارهم، بحيث لا يستطيعون أن يخفضوها، لأن القيود التي وصلت إلى أذقانهم منعتهم من خفض رءوسهم.
فقد شبه - سبحانه - في هذه الآية، حال أولئك الكافرين، المصرين على جحودهم وعنادهم، بحال من وضعت الأغلال في عنقه ووصلت إلى ذقنه، ووجه الشبه أن كليهما لا يستطيع الانفكاك عما هو فيه.
ثم أكد - سبحانه - هذا الإصرار من الكافرين على كفرهم فقال: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ. أي: أننا لم نكتف بجعل الأغلال في أعناقهم، بل أضفنا إلى ذلك أننا جعلنا من أمامهم حاجزا عظيما، ومن خلفهم كذلك حاجزا عظيما. فَأَغْشَيْناهُمْ أي: فجعلنا على أبصارهم غشاوة وأغطية تمنعهم من الرؤية فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ شيئا بسبب احتجاب الرؤية عنهم.
فالآية الكريمة تمثيل آخر لتصميمهم على كفرهم، حيث شبههم - سبحانه - بحال من أحاطت بهم الحواجز من كل جانب، فمنعتهم من الرؤية والإبصار.