وهؤلاء المنافقون في الدرك الأسفل من النار؛ لغلظ كفرهم، وعظيم خطرهم كما قال سبحانه: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) } [النساء: 145] .
وإنما كان أهل هذه الطبقة وهم المنافقون في الدرك الأسفل من النار لغلظ كفرهم، فإنهم خالطوا المسلمين وعاشروهم، ووصل إليهم من معرفة الدين وصحته ما لم يصل إلى المنابذين بالعداوة، فإذا كفروا مع هذه المعرفة والعلم كانوا أغلظ كفراً، وأخبث قلوباً، وأشد عداوة لله ورسوله من غيرهم، ولهذا قال الله فيهم: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3) } [المنافقون: 3] .
الطبقة السادسة عشرة: طبقة رؤساء الكفر ودعاته.
وهؤلاء هم أئمة الكفر الذي كفروا وصدوا عن سبيل الله، يصدون عباد الله عن الدخول في دين الله بالترغيب والترهيب.
فهؤلاء عذابهم مضاعف، ولهم عذابان:
عذاب بالكفر .. وعذاب بصد الناس عن الدخول في الإيمان كما قال سبحانه: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (88) } [النحل: 88] .
فكما أن للداعي إلى الهدى مثل أجور من اتبعه فكذلك للداعي إلى الضلال مثل آثام من اتبعه، واستجاب له.
ولا ريب أن هذا يتضاعف ويتزايد بحسب من اتبعه، وضل به، ولهذا كان فرعون وقومه في أشدالعذاب؛ لعظيم جرمهم وفسادهم كما قال سبحانه: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46) } [غافر: 46] .
فهؤلاء رؤساء الكفار استحقوا أشد العذاب لغلظ كفرهم .. وصدهم عن سبيل الله .. وعقوبتهم من آمن بالله .. فليس عذاب الرؤساء في النار كعذاب أتباعهم.
ولهذا كان عدو الله إبليس أشد أهل النار عذاباً؛ لأنه إمام كل كفر وشرك وشر، فما عصي الله إلا على يديه وبسببه، ثم الأخبث فالأخبث من نُوَّابه في الأرض ودعاته.
والكفر يتفاوت .. فكفر أغلظ من كفر .. وظلم أعظم من ظلم .. ومعصية أغلظ من معصية.