ثم يقول سبحانه {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الناس بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} [الروم: 8] كنا نجادل الشيوعيين نقول لهم: لقد بالغتم في تعذيب مخالفيكم من الإقطاعيين والرأسماليين ، وتعديتم في عقابكم ، قالوا: لأنهم ظلموا وأفسدوا في المجتمع ، فقلنا لهم: فما بال الذين ظلموا قبل هؤلاء وماتوا ولم ينالوا ما يستحقون من العقاب؟ أليس من العدل أن تقولوا بدار أخرى يُعاقبون فيها على ما اقترفوه؟
ألا يلفتكم هذا إلى ضرورة القيامة ، ووجوب الإيمان بها؟ فمن أفلت من أيديكم في الدنيا عاقبه الله تعالى في الآخرة ، ثم أنتم تروْنَ مبدأ الثواب والعقاب في كل شيء ، فالذي أطلق لنفسه العَنان في الدنيا ، وسار فيها على هواه ، وعَاثَ في الأرض فساداً ، ولم تنلْه يد العدالة فهو الفائز إنْ لم تكُنْ له دار أخرى يُحاسَب فيها .
إذن: فالإيمان بالآخرة وبلقاء الله ضرورة يقتضيها المنطق السليم ، ومع ذلك يكفر بها كثير من الناس {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الناس بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} [الروم: 8] .
فالمؤمن يجب أن يكون على ثقة بهذا اللقاء ؛ لأن قوانين الأرض إنما تَحْمي من ظاهر المنكر ، وأما باطن المنكر فلا يعلمه إلا الله ، فلا بُدَّ من فترة يُعاقب فيها أصحاب باطن المنكر .
{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}
المعنى: أيكفرون بلقاء ربهم ولم يسيروا في الأرض ، فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم - خُذْ فقط أمور الدنيا ، فهي كافية لمن اعتبر بها - فهؤلاء لم يسيروا في الدنيا ، ولم ينظروا فيها بعين الاعتبار بمَنْ سبقهم من الأمم المكذِّبة ، ولم يتعظوا بما وقع في الدنيا فضلاً عما سيقع في الآخرة .