وقوله سبحانه: {إِلاَّ بالحق . .} [الروم: 8] لأن السماوات والأرض وما بينهما من الكواكب والأفلاك تسير على نظام ثابت لا يتخلف ، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير أبداً ، وتأمل حركة الكواكب والأفلاك تجد أنها تسير وَفْق نظام دقيق منضبط تماماً .
فالشمس لم تتخلف يوماً فتقول مثلاً: لن أطلع اليوم على هؤلاء الناس ؛ لأنهم ظالمون ، لأن لها قانوناً تسير به ، وهي مخلوقة بحق ثابت لا يتغير ، وما دامتْ هذه الكونيات خلقت بحق وبشيء ثابت فلك أن ترتب عليها حساباتك وتضبط بها وقتك ، وأنت لا تضبط وقتك على ساعة إلا إذا كانت هي في ذاتها منضبطة .
لذلك يقول سبحانه: {الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 5] أي: مخلوقة بحساب ؛ ولأنه سبحانه خلقها بحساب جعلها آلة للحساب ، فقال: {والقمر قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حتى عَادَ كالعرجون القديم * لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 39 - 40] .
ويقول سبحانه: {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب} [يونس: 5] وهل تعلمون بالقمر عدد السنين والحساب ، إلا إذا كان هو مخلوقاً بحساب؟
ومع ذلك ، ومع أن الكون خلقه الله بالحق الثابت إياك أن تظن أن ثباته دائم باقٍ ؛ لأن الله تعالى خلقه على هيئة الثبات لأجل {إِلاَّ بالحق وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ...} [الروم: 8] فبعد أن ينقضي هذا الأجل الذي أجَّلَه الله تُكوّر الشمس وتنكدر النجوم ، وتُبدَّل الأرض غير الأرض والسماوات ، فالأمر ليس مجرد أنْ يتغير الشيء الثابت ، إنما يزول وينتهي .