وقالوا: إن السلطان هو سلطان العلم الذي مكّننا من اعتلاء سطح القمر ، وعجيب أن يقول هذا الكلام علماء كبار ، فأين القمر من السماء؟ القمر ما هو إلا ضاحية من ضواحي الأرض كمصر الجديدة بالنسبة للقاهرة ، ثم إنْ كان السلطان هنا هو سلطان العلم ، فماذا تقولون في قوله تعالى بعدها: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ} [الرحمن: 35]
لقد حدث هذا التخبط نتيجة الخلط بين علوم الدين والشريعة ، وبين علوم الكونيات ، وهذه آفة علماء الدين أنْ يتدخلوا فيما لا علمَ لهم به ، فالكونيات يُؤخَذ منها الدليل على عظمة الصانع وقدرته سبحانه ، إنما لا يُؤخذ منها حكم شرعي .
ورأينا من هؤلاء مَنْ ينكر كروية الأرض ، وأنها تدور حول الشمس ، ومنهم مَنْ ظن أن علماء الكونيات - مع أنهم كفرة - يعلمون الغيب لأنهم توصَّلوا بحسابات دقيقة لحركة الأرض إلى موعد الخسوف والكسوف ، وجاء الواقع وَفْق ما أخبروا به بالضبط .
وهذه المسألة - كما سبق أنْ قُلْنا - ليست من الغيب المطلق ، بل من الغيب الذي أعطانا الله المقدمات التي توصل إليه ، وقد توصّل العلماء إليه بالبحث ودراسة معطيات الكون ، ونفهم هذا في ضوء قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق . .} [فصلت: 53] .
وهذه أيضاً من الآيات التي تُقدّم فيها أدلة السماوات والأرض على أدلة النفس . إذن: فالكونيات تُبنَى على علوم ودراسات ، لا دخلَ للدين بها ، الدين جاء ليقول لك: افعل كذا ، ولا تفعل كذا ، ثم ترك الكونيات إلى أنْ تتسع العقول لفهمها .