وإنما قال: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} تقريبا للفهم، وجريا على المعتاد بين الناس، من أن إنشاء الشيء لأول مرة يكون أصعب من إعادته، وإعادته تكون أسهل من إنشائه، وإلا فالحق سبحانه وتعالى قادر على كل شيء بدءاً وإعادة: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (82: 36) ، وهذا التنزيه عن التشبيه هو المراد بقوله تعالى في نفس السياق: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} ، أي هو فوق تصورات الخلق وتخيلاتهم، وله الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله إذ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} .
ثم تصدى كتاب الله للاعتراض على المشركين البسطاء، الذين يشركون بالله والأوثان والأصنام، إذ يقولون: (لبيك لا شريك لك) إلا شريكا هولك، تملكه وما ملك)، مبينا تناقضهم وتهافتهم في منطقهم الساذج البسيط، عندما لا يقبلون أن يكون مماليكهم شركاء لهم في شيء، نظرا للفرق الشاسع الذي يعتقدونه قائما بين الفئتين، بينما هم يعتبرون أصنامهم مملوكين لله وشركاء له في وقت واحد، الأمر الذي لا يرضونه لأنفسهم بالنسبة لمماليكهم، وذلك قوله تعالى خطابا للمشركين {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ} . وواضح أن كتاب الله يجعل الرزق مشتركا ومشاعا بين جميع الفئات، ولا يرضى بأن تحتكره طبقة من الطبقات، وإلى ذلك يشير قوله تعالى هنا: {فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ} .