وإذا كان اختلاف الألسنة واختلاف الألوان عند دعاة (العنصرية والشعوبية) مصدرا للتمييز بين السلالات البشرية، ومبررا لتصنيفها طبقات عليا وسفلى، فإن كتاب الله أزال عن هذه الظاهرة كل ما تشم منه رائحة التمييز العنصري بين البشر، واعتبر اختلاف الألسنة والألوان في النوع البشري، مع وحدته الأصلية، آية من آيات الله الكبرى، ودليلا من دلائل قدرته وبالغ حكمته.
وانتقل كتاب الله إلى آية أخرى من آيات الله في الأنفس، وهي ظاهرة النوم بعد اليقظة، والسكون بعد الحركة، التي أكرم الله بها الإنسان، ليستطيع مواصلة الكد والسعي بنشاط وفعالية وإتقان، إذ لو لم يمنح الحق سبحانه عباده حق (الراحة اليومية) بعد التعب، لتعطلت طاقات الجسم والعقل عن العمل، ولما استطاع الإنسان القيام بخلافته عن الله في الأرض على أحسن وجه وأنفع أسلوب، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَ آيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} أي يسمعون القرآن فيصدقونه، والحق فيتبعونه.
فراحة الاستغراق في النوم خصص لها الحق سبحانه وتعالى فترة الليل، المناسبة للهدوء والسكون، والسعي المتواصل للعمل وكسب الرزق خصص له الحق سبحانه وتعالى فترة النهار، المناسبة للحركة والنشاط، على أن القليل من الاسترخاء والنوم الخفيف خلال بعض فترات النهار كالقيلولة، مما يساعد على تهدئة الأعصاب، وتجديد النشاط، ومضاعفة الإنتاج، حسبما دلت عليه الأبحاث الحديثة، وبذلك نفهم السر في قوله تعالى: {مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} ، قال جار الله الزمخشري (ويجوز أن يراد منامكم في الزمانين وابتغاؤكم فيهما) ، إذ من الناس من ينام في الليل ومنهم من ينام في النهار، ومن الناس من يسعى لكسب رزقه في النهار: ومنهم من يسعى لكسب رزقه في الليل، حسب ظروف كل واحد ونوع عمله، وهذا هو ما عليه الحال في عصرنا الحاضر، ومقتضى هذه الآية وما شابهها أن الإنسان مطالب من ربه بالكد والعمل على مر الأيام، معترف له في نفس الوقت بحق الراحة والاستجمام.