وتعوضوا منها العمل بطاعته، نعيمًا لا يبيد في خلد لا انقضاء له.
أتبع ذلك ما هو في معناه قوله الحق: (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ
يَرْزُقُهَا ... (60) . وكلما دب أو درج فهو دابة لما كان مما يقدح
في خاطر مريد الهجرة؛ خوف عدم الرزق أو خشية الفقر.
أتبع هذه الآية ذكر الهجرة، فلا بد للمهاجر أن يضرب في التوكل بنصيب،
(وَهُوَ السَّمِيعُ) لدعائه (الْعَلِيمُ) بأعماله وما تكنه نفسه؛ لذلك قال قبيل هذا: (نِعْمَ أَجْرُ
الْعَامِلِينَ (58) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59) .
قوله تعالى:(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)أرجع الخطاب إلى العرب وكفار الأمم
المتخذين الأنداد من دون الله، فهم القائلون بأن الله هو خالق السماوات والأرض
ومسخر الشمس والقمر، وعلى ذلك فهم يجعلون له أندادًا يعبدونهم من دونه.
يقول عزَّ من قائل: (فَأَنَّى) أي: كيف (يُؤْفَكُونَ) أي: يعلنون
عن حقيقة ما هم قائلون به إلى باطل ما عدلوا إليه، أتبع ذلك قوله: (اللَّهُ يَبْسُطُ
الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ... (62) . يصلح أن يكون هذا المعنى منتظمًا بذكر
الرزق للمهاجر والمتوكل، ويصلح أيضًا أن يكون منتظما بما اتصل به من ذكر
تأفيكهم عن حقيقة لازم عقدهم المتقدم ذكره، ويكون معنى الرزق على هذا رزق
الآخرة وسبيل الهداية.
(إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) هو أعلم بمن يصلح على الفقر
وبمن يصلح على الغنى، هذا على الأول، وعلى الثاني هو أعلم بمن اهتدى وبمن
ضل، فإن الذي اهتدى لو صده ما عسى أن يصده لم يخرجه ذلك عن هدايته،
والذي ضل لو رامه الجن والإنس، وأدخل النار في جهنم ثم أخرج منها لعاد إلى
ضلاله، ألا تراهم عند اضطرارهم يؤمنون وعند العافية يكفرون؟!.
أتبع ذلك ما هو في معناه قوله: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)