ونوح أول من أرسل بتحريم المحارم، وكانت المناكحة قبل سائغة لضرورة النسل، ثم لما كثر الناس حرمت المحارم.
وذكر القرطبي في تفسير سورة الأعراف: أن نوحا عليه السلام أول الرسل بعد آدم عليه السلام بتحريم البنات، والأخوات، والعمات، والخالات.
ولما بعث الله نوحا عليه السَّلام أخذ يأمرهم وينهاهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، يدعوهم إلى الله تعالى ليلًا ونهاراً، فلم يزدهم دعاؤه إلا فراراً، وكانوا يدخلون عليه فيخنقونه، ويضربونه في المجالس حتى يُغشى عليه، فإذا أفاق قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، وكان يكلم الرجل منهم فيلف رأسه بثوبه، ويجعل أصبعيه في أذنيه لكيلا يسمع شيئًا من كلامه، وكان يضرب ويلف في لبد، ويلقى بيته يرون أنه قد مات، ثم يخرج فيدعوهم.
وجاءه رجل منهم ومعه ابنه وهو يتوكأ على عصا، فقال: يا بني!
انظر هذا الشيخ لا يغرنك.
قال: يا أبت! مَكِّنِّي من العصا، فشجه شجة مُوضحة في رأسه، وسال الدم.
قال نوح: رب! قد ترى ما يفعل بي عبادك، فإن يك لك في عبادك خير فاهدهم، وإن يك غير هذا فصبِّرني إلى أن تحكم وأنت خير الحاكمين.
فأوحى الله تعالى إليه: {أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} [سورة هود: 36] ، فأخبره أنه لم يبق في أصلاب الرجال ولا في أرحام النساء مؤمن، فدعا عليهم.
وروى الإِمام أحمد في"الزهد"عن الحسن رحمه الله تعالى: أن نوحا عليه السلام لم يدع على قومه حتى نزلت عليه هذه الآية: {أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [سورة هود: 36] ، فانقطع رجاؤه عند ذلك منهم، فدعا عليهم عند ذلك.
وأوحى الله تعالى إلى نوح بعد أن دعا عليهم أن يصنع الفلك، فصنعه من يومئذ، وهيأه حتى فار التنور، فركب في الفلك، وحَمَل فيه من أمر الله تعالى بحملهم من مؤمن بني آدم ومن كل زوجين اثنين، وأغرق الله الباقين في الطوفان.
وليس غرضنا الآن بيان القصة بأطرافها، وإنما نذكر التنقيب على قوم نوح، والتفتيش على قبائح أفعالهم ليحذر المؤمن التشبه بهم فيها، ويتنزه عن مقارفتها وتعاطيها.
1 -فمنها: الكفر.