(وهذا دليل على أنهما نشأتان، وأن لكل واحدة منهما إنشاء أي ابتداء واختراع وإخراج من العدم إلى الوجود، غير أن الآخرة إنشاء بعد إنشاء مثله، والأولى ليست كذلك، والقياس أن يقال: كيف بدأ الله الخلق ثم ينشئ النشأة الآخرة. لأن الكلام معهم وقع في الإعادة، فلما قررهم في الإبداء بأنه من الله احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، فإذا لم يعجزه الابتداء وجب أن لا يعجزه الإعادة، فكأنه قال: ثم ذلك الذي أنشأ النشأة الأولى هو الذي ينشئ النشأة الآخرة، فللتنبيه على هذا المعنى أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ) . إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي قادر
يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ بالخذلان وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ بالهداية أو يعذب من يشاء بالحرص ويرحم من يشاء بالقناعة، أو أن تعذيبه ورحمته بسوء الخلق وحسنه، أو بالإعراض عن الله، وبالإقبال عليه، أو بمتابعة البدع، وبملازمة السّنة وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ أي تردّون وترجعون يوم القيامة
وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ربكم. أي لا تفوتونه إن هربتم من حكمه وقضائه
فِي الْأَرْضِ الفسيحة وَلا فِي السَّماءِ التي هي أفسح منها وأبسط وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ يتولى أموركم وَلا نَصِيرٍ أي ولا ناصر يمنعكم من عذابه
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أي بدلائله على وحدانيته، وكتبه، ومعجزاته وَلِقائِهِ أي باليوم الآخر أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي أي من جنتي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ قال ابن كثير: أي موجع شديد في الدنيا والآخرة.
كلمة في السياق:
لفتت هذه الآيات النظر إلى رؤية البداية والنهاية، فمن رأى البداية والنهاية عبد الله وشكره، ولم يطلب الرزق إلا منه. وهي الدعوة التي ركّز عليها إبراهيم عليه السلام.
كما لفتت الآيات النظر إلى طلاقة المشيئة الإلهية في الرحمة والعذاب. وهذا يقتضي عبادة وشكرا، وطلبا منه وحده. كما لفتت الآيات النظر إلى عدم فوات الإنسان الله في السماء والأرض. وفي ذلك دفع للعبادة والشكر، وطلب الرزق من الله وحده.