إذن: {وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ...} [العنكبوت: 40] أي: لا ينبغي لله تعالى أنْ يظلمهم ، فساعةَ تسمع ما كان لك أنْ تفعل كذا ، فالمعنى أنك تقدر على هذا ، لكن لا يصح منك ، فالحق سبحانه ينفي الظلم عن نفسه ، لا لأنه لا يقدر عليه ، إنما لا ينبغي له أنْ يظلم ؛ لأن الظلم يعني أن تأخذ حقَّ الغير ، والله سبحانه مالك كل شيء ، فلماذا يظلم إذن .
ومثال ذلك نَفْي انبغاء قول الشعر من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال سبحانه: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر وَمَا يَنبَغِي لَهُ ... .} [يس: 69] فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يستطيع أن يقول شعراً ، فلديه كل أدواته ، لكن لا ينبغي للرسول أن يكون شاعراً ؛ لأنهم كذابون ، وفي كل واد يهيمون ، ففَرْق بين انبغاء الشيء ووجوده فعلاً .
ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] بصيغة المبالغة ظلام ، ولم يقل ظالم ، لماذا؟ لأن الله تعالى إنْ أباح لنفسه سبحانه الظلم ، فسيأتي على قَدْر قوته تعالى ، فلا يقال له ظالم إنما ظلاَّم - وتعالى الله عن هذا عُلُواً كبيراً .
ولما تكلمنا عن المبالغة وصيغها قلنا: إن المبالغة قد تكون في الحدث ذاته ، كأن تأكل في الوجبة الواحدة رغيفاً ، ويأكل غيرك خمسة مثلاً ، أو تكون في تكرار الحدث ، فأنت تأكل ثلاث وجبات ، وغيرك يأكل ستاً ، فنقول: فلان آكل ، وفلان أَكُول أو أكال ، فالمبالغة نشأتْ إما من تضخيم الحدث ذاته ، أو من تكراره .
ففي قوله تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت: 46] لم يقل للعبد ، إذن: تعدُّد الناس يقتضي تعدُّد الظلم - إن تُصور - فجاء هنا بصيغة المبالغة (ظَلاَّم) .