لكن هل النبات حين يأخذ خاصية النمو فَفُضِّل عن الجماد يخرج عن الجمادية؟ لا إنما تظل فيه الجمادية بدليل أنه إذا امتنع عنه النمو يعود جماداً كالحجر ، وكذلك الحيوان أخذ ظاهرة الحسِّ وتميَّز بها عن النبات ، لكن تظل فيه النباتية حيث ينمو ويكبر .
والإنسان وهو سيد الكون الذي كرَّمه ربه بالعقل تظل فيه الجمادية بدليل أثر الجاذبية عليه ، فإذا ألقى بنفسه من مكان عالٍ لا يستطيع أن يمسك نفسه في الهواء ، وكذلك تظل فيه النباتية والحيوانية ، ففيه إذن كل خصائص الأجناس الأخرى دونه ، ويزيد عليهم العقل .
لذلك لا يكلّفه الله إلا بعد أنْ ينضج عقله ويبلغ ، وبشرط أن يسلم من العطب في عقله كالجنون مثلاً ، وأن يكون مختاراً فالمكره لا تكليفَ عليه ؛ لأنه غير مختار .
والإنسان الذي كرَّمه ربه بالعقل والاختيار ، وفضَّله على كل أجناس الوجود لا يليق به أن يخضع أو يعبد إلا أعلى منه درجة ، أما أنْ يتدنى فيعبد ما هو أقل منه رتبة ، فهذا شيء عجيب لا يليق به ، فالعابد لا بُدَّ أنْ يكون أدنى درجةً من المعبود ، وأنت بالحكم أعلى درجة مما تحتك من الحيوان والنبات والجماد ، فكيف تجعله يتصرف فيك ، مع أنه من تصرفاتك أنت حين تُوجِده نَحْتاً ، وتقيمه في المكان الذي تريده وإن انكسر تصلحه؟!!
إذن: كرَّمك ربك ، وأهنْتَ نفسك ، ورضيت لها بالدونية ، جعلك سيداً وجعلت نفسك عبداً لأحقر المخلوقات ؛ لذلك يقول تعالى في الحديث القدسي
"يا ابن آدم ، خلقتُك من أجلي ، وخلقتُ الكون كله من أجلك ، فلا تشتغل بما هو لك عما أنت له".