وقوله: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ} [العنكبوت: 36] العثو: الفساد المستور والفساد يقال للظاهر ، فالمعنى: لا تعثَوا في الأرض عثواً ، فالمفعول المطلق بمعنى الفعل ، فقوله تعالى: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ} [العنكبوت: 36] كما نقول: اجلس قعوداً .
والفاء في قوله: {فَقَالَ يا قوم اعبدوا الله ...} [العنكبوت: 36] تدل على أنها تعطف هذا الكلام على كلام سابق ، والتقدير: وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيباً فقال: يا قوم إني رسول الله إليكم ، ثم ذكر المطلوب منهم {يا قوم اعبدوا الله ...} [العنكبوت: 36] والجمع بين عبادة الله ورجاء اليوم الآخر يعني: لا تفصلوا العبادة عن غايتها والثواب عليها ، ولا تفصلوا المعصية عن عقابها .
وقوله: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ} [العنكبوت: 36] فلا أقول لكم: أصلحوا فلا أقلَّ من أن تتركوا الصالح على صلاحه لا تفسدوه ؛ لأن الخالق - عز وجل - أعدَّ لنا الكون على هيئة الصلاح ، وعلينا أنْ نُبقيه على صلاحه .
فالنيل مثلاً هبة من هِبَات الخالق ، وشُريان للحياة يجري بالماء الزلال ، وتذكرون يوم كان الفيضان يأتي بالطمي فترى الماء مثل الطحينة تماماً ، وكذا نملأ منه (الزير) ، وبعد قليل يترسب الطمي آخذاً معه كل الشوائب ، ويبقى الماء صافياً زلالاً . أما الآن فقد أصابه التلوث وفسَد ماؤه بما يُلْقى فيه من مُخلَّفات ، وأصبحنا نحن أول مَنْ يعاني آثار هذا التلوث .
لذلك أصبح ساكن المدن مهما توفرت له سُبُل الحضارة لا يرتاح إلا إذا خرج من المدينة إلى أحضان الطبيعة البكْر التي ظلتْ على طبيعتها كما خلقها الله ، لا ضوضاء ، ولا ملوثات ، ولا كهرباء ، ولا مدنية .
ثم يقول الحق سبحانه: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة ...} .
فلماذا يُكذّب الناس دعوة الخير؟