وكيف لا نعمل حساباً لليوم الآخر؟ ونحن في الدنيا نعامل أنفسنا بنفس منطق اليوم الآخر؟ فأنت مثلاً تتعب وتشقى في زراعة الأرض ، وتتحمل مشاق الحرْث والبَذْر والسقي . . إلخ طوال العام ، لكن حين تجمع زرعك يوم الحصاد ، ويوم تملأ به مخازنك تنسى أيام التعب والمشقة ، وساعتها يندم الكسول الذي قعد عن العمل والسعي ، يوم الحصاد سترى أن أردب القمح الذي أخذتَه من المخزن وظننتَ أنه نقص من حسابك قد عاد إليك عشرة أرادبّ ، فأخْذُك لم يقلل إنما زاد .
وكذلك اليوم الآخر نفهمه بهذا المنطق ، فنتحمل مشاقّ العبادة والطاعات في الدنيا لننال النعيم الباقي في الآخرة ؛ لأن نعيم الدنيا مهما كان ، يُنغصه عليك أمران: إما أنْ تفوته أنت بالموت ، أو يفوتك هو بالفقر .
أما في الآخرة فلا يفوتك نعيمها ولا تفوته . إذن: فالأَوْلى بك أنْ تزرع للآخرة ، وأن تعمل لها ألف حساب ، فإنْ كان في العبادة مشقة ، وللإيمان تَبعات ، فانظروا إلى عِظَم الجزاء ، وإذا استحضرتَ الثواب على الطاعة هانتْ عليك مشقة الطاعة ، وإذا استفظعت العقاب على المعصية ، زهدتَ فيها ونأيْتَ عنها .
إذن: الذي يجعل الإنسانَ يتمادى في المعصية أنه لا يستحضر العقاب عليها ، ويزهد في الطاعة ؛ لأنه لا يستحضر ثوابها .
لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن"والمعنى: لو استحضر الإيمان ما فعل ، إنما غفل عن إيمانه فوقع في المعصية .
ومَن استحضر ثواب الطاعة وجد لها حلاوة في نفسه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة:"أرحنا بها يا بلال".