فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 339507 من 466147

وتأمل هنا اللين وأدب الجدل عند موسى - عليه السلام - فلم يرد عليهم بالقسوة التي سمعها منهم ولم يتهمهم كما اتهموه ، إنما ردّ بهذا الأسلوب اللَّبِق ، وبهذا الإيحاء: {ربي أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بالهدى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدار ...} [القصص: 37] ولم يقُلْ: إني جئت بالهدى .

ثم قال: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون} [القصص: 37] سواء كنا نحن أم أنتم ، ولم يقُلْ: أنتم الظالمون ، لقد أطلق القضية ، وترك للعقول أنْ تميز .

ومعنى {عَاقِبَةُ الدار . .} [القصص: 37] الدار يعني: الدنيا وعاقبتها تعني: الآخرة .

وهذا الأدب النبوي في الجدل والحوار رأيناه في سيرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كفار مكة والمعاندين له ، وقد خاطبه ربه: {وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ ...} [العنكبوت: 46] .

والعلَّة أنك ستُخرجهم من الباطل الذي أحبوه وأَلفوه إلى الحق الذي يكرهون ، فلا تجمع عليهم شدتين ، لذلك في أشد ما كان إيذاء الكفار لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:"اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون".

ورحم الله شوقي الذي صاغ هذه المسألة في عبارة موجزة فقال: (النُّصْح ثقيل فلا ترسله جبلاً ، ولا تجعله جدلاً) فنُصْحك معناه أنك تقول لمن أمامك: أنت على خطأ وأنا على صواب . فلكي يسمع لك لا بُدَّ أنْ تستميله أولاً إليك ليقبل منك ، ولا تجرح مشاعره فيزداد عناداً ومكابرة ، وما أشبه صاحب الخطأ بالمريض الذي يحتاج لمن يأخذ بيده ، ويأسو مرضه .

وقد مثَّلوا لذلك بشخص يغرق ، وصاحبه على الشاطيء يلومه على نزوله البحر ، وهو لا يجيد السباحة ، فقال له: (آسِ ثم انصح) انقذني أولاً وأدركني ، ثم قُلْ ما شئتَ .

وقال آخر: الحقائق مُرَّة ، فاستعيروا لها خِفَّة البيان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت