وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ سواهم تَذُودانِ تمنعان وتطردان أغنامهما عن الماء، خوفا من السقاة الأقوياء قالَ موسى لهما ما خَطْبُكُما أي ما شأنكما لا تسقيان مع هؤلاء؟ يُصْدِرَ الرِّعاءُ يصرف الرعاة مواشيهم عن الماء، وحينئذ نسقي خوف الزحام ومزاحمة الرجال، يقال:
صدر عن الماء مقابل ورد: انصرف عنه، وقرئ: يصدر الرعاء أي يرجعون من سقيهم، والرعاء:
جمع راع وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يقدر أن يسقي.
فَسَقى لَهُما مواشيهما من بئر أخرى بقربهما، رحمة عليهما، بأن رفع حجرا عنها لا يرفعه إلا عشرة أنفس أو سبعة، بالرغم من تعبه وجوعه وجرح قدمه. ثُمَّ تَوَلَّى انصرف إِلَى الظِّلِّ ظل شجرة كانت هناك، هروبا من شدة الشمس، وكان جائعا مِنْ خَيْرٍ قليل أو كثير، ويطلق على الطعام، كما في الآية، وعلى المال كما في آية إِنْ تَرَكَ خَيْراً [البقرة 2/ 180] وعلى القوة كما في آية: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ [الدخان 44/ 37] وعلى العبادة كما في آية:
وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ [الأنبياء 21/ 73] فَقِيرٌ محتاج.
فرجعتا إلى أبيهما في زمن أقل مما كانتا ترجعان فيه، فسألهما عن ذلك، فأخبرتاه بمن سقى لهما، فقال لأحدهما: ادعيه لي فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ أي شدة حياء، والجار والمجرور متعلق بمحذوف حال، أي مستحيية متخفرة، قيل: كانت الصغرى منهما، وقيل:
الكبرى، واسمها صفوراء أو صفراء، وهي التي تزوجها موسى لِيَجْزِيَكَ ليكافئك أو ليثيبك أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا جزاء سقيك لنا. وقد أجابها موسى ليتبرك برؤية الشيخ، ويستظهر بمعرفته، لا طمعا في الأجر، بل روي أنه لما جاءه قدم إليه طعاما، فامتنع عنه، وقال: إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بالدنيا، أو لا نطلب على عمل خير عوضا، فأجابه شعيب: هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا، أو قال: لا، عادتي وعادة آبائي نقري الضيف، ونطعم الطعام. علما بأن من فعل معروفا، فأهدي إليه شيء، لم يحرم أخذه.