والمعنى: وما من شيء شديد الغيبوبة إلا وقد علمه الله وأحاط به وأثبته في اللوح المحفوظ. أقول: ويحتمل أن يكون المراد بالكتاب المبين القرآن، الذي وصف بذلك في أول السورة، فيكون المعنى: أن هذا القرآن تحدث عن كل غيب في السماء والأرض، ويرجح هذا الاتجاه أن الآية بعده تتحدث عن القرآن
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي
إِسْرائِيلَ أي يبين لهم أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وذلك دليل على أنه من عند الله
وَإِنَّهُ أي وإن القرآن لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فهو هدى لقلوبهم وذواتهم، وهو رحمة لهم إن أقاموه في الدنيا والآخرة
إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي يفصل بين من آمن بالقرآن، ومن كفر به بِحُكْمِهِ أي بقضائه العادل وَهُوَ الْعَزِيزُ فلا يرد قضاؤه الْعَلِيمُ بمن يقضي عليه، أو العزيز في انتقامه من المبطلين، العليم بالفصل بينهم وبين المحقين. وبهذا انتهت المجموعة الثانية.
نقل:
بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ قال صاحب الظلال: ولقد اختلف النصارى في المسيح - عليه السلام - وفي أمه مريم.
قالت جماعة: إن المسيح إنسان محض، وقالت جماعة: إن الأب والابن وروح القدس إن هي إلا صور مختلفة أعلن الله بها نفسه للناس. فالله - بزعمهم - مركب من أقانيم ثلاثة، الأب والابن وروح القدس (والابن هو عيسى) فانحدر الله الذي هو الأب في صورة روح القدس، وتجسد في مريم إنسانا، وولد منها في صورة يسوع! وجماعة قالت: إن الابن ليس أزليا كالأب بل هو مخلوق من قبل العالم، ولذلك هو دون الأب وخاضع له! وجماعة أنكروا كون روح القدس أقنوما! وقرر مجمع نيقية سنة 325 ميلادية، ومجمع القسطنطينية سنة 381 بأن الابن وروح القدس مساويان للأب في وحدة اللاهوت، وأن الابن قد ولد منذ الأزل من الأب، وأن الروح القدس منبثق من الأب. وقرر مجمع طليطلة سنة 589 بأن روح القدس منبثق من الابن أيضا.