وتعقب بأن ماذكر تخيل بارد لأن القلب يوصف بالفقه والفهم لا السمع ، وما ذكر أولاً من أنهم أنفسهم شبهوا بالموتى هو الظاهر ، ووجهه أن على طريق التسليم والنظر لأحوالهم كأنه قيل: كيف تسمعهم الأرشاد إلى طريق الحق وهم موتى وهذا بالنظر لأول الدعوة ولو أحييناهم لم يفد أيضاً لأنهم صم ، وقد ولوا مدبرين وهذا بالنظر لحالهم بعد التبليغ البليغ ونفرتهم عنه ، ثم إنا لو أسمعناهم أيضاً فهم عمى لا يهتدون إلى العمل بما يسمعون ، وهذا خاتمة أمرهم ، ويعلم من هذا ما في ذلك من مزيد المزية الخالية عن التكلف.
وجوز أن يكون التشبهي لطوائف على مراتبهم في الضلال ، فمنهم من هو كالميت.
ومن هو كالأصم.
ومن هو كالأعمى ، وهو وإن كان وجهاً خفيف المؤنة إلا أنه خلاف الظاهر أيضاً.
{وَلاَ تُسْمِعُ الصم الدعاء} أي الدعوة إلى أمر من الأمور ، وتقييد النفي بقوله تعالى: {إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ} لتتميم التشبيه وتأكيد النفي فإنهم مع صممهم عن الدعاء إلى الحق معرضون عن الداعي مولون على أدبارهم ، ولا ريب في أن الأصم لا يسمع الدعاء مع كون الداعي بمقابلة صماخه قريباً منه ، فكيف إذا كان خلفه بعيداً منه ، ومثله في التتميم قول امرئ القيس:
حملت ردينيا كأن سنانه...
سنا لهب لم يتصل بدخان
وقرأ ابن كثير لا يسمع الصم الدعاء بالياء التحتانية وفتح الميم ورفع الصوت.
{وَمَا أَنتَ بِهَادِى العمى عَن ضلالتهم}
أي وما أنت بصارف العمى عن ضلالتهم هادياً لهم هداية موصلة إلى المطلوب لفقد الشرط العادي للاهتداء وهو البصر ، و {عَنْ} متعلقة بالهداية باعتبار تضمنها معنى الصرف كما أشرنا إليه ، وجوز أبو البقاء أن تعلق بالعمى ويكون المعنى أن العمى صدر عن ضلالتهم وفيه بعد ، وإيراد الجملة الاسمية للمبالغة في نفي الهداية.
وقرأ يحيى بن الحرث.
وأبو حيوة بهاد بالتنوين {العمى} بالنصب ، وقرأ الأعمش. وطلحة
وابن وثاب.
وابن يعمر.